وكقوله: (( صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب ) ). [1]
وهذه القدرة التي هي مناط التكليف تتعلق بجميع أحكام الشريعة فمن كان عاجزا عجزا حقيقيا عن فعل ما فإنه يسقط عنه إلى حين زوال العجز ويدخل في ذلك ما نحن بصدد الحديث عنه وهو عدم القدرة على إقامة الحد الشرعي المفضي إلى المصلحة المقصودة منه على من استوجبه (أي أتى بموجبه) ، فمن كان عاجزا عن إقامة حد من حدود الله تعالى (عجزا حقيقيا) كضعف السلطان، أو غيابه، أو لغير ذلك من الشروط المفقودة، فيجوز حينئذ فعل الممكن والميسور إما بتأخير الحد، أو استبداله مؤقتا بما يتحقق به مقصود الزجر -كما سيأتي- -
ولبيان أثر الاستضعاف في الأحكام الشرعية في المسألة موضوع البحث يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإن قومه لا يقرونه على ذلك وكثيرا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيا بل وإماما وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك بل هناك من يمنعه ذلك ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها .. فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها) . [2]
ومعنى المُكْنَة (فلا يمكنه) الواردة في كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وكذا القدرة (ما لا يقدرون على التزامه) هو ما بينه ونبه عليه الشيخ أَبُو الوَلِيدِ الغَزِّيُّ الأَنْصارِيّ حفظه الله في فتوى له بعنوان (هل يقيم المجاهدون في الشام الحدود؟) حيث قال:
(لكنّ هَهنا أمرًا قلّما يَتَنبّهُ الناسُ إليهِ؛ ويجبُ التنبيهُ عليه، وهوَ أن المُرادَ بالقُدْرَةِ على إقامَةِ أحكامِ الشرْعِ كالحدُودِ والأمرِ بالمعروفِ والنهْيِ عن المُنْكَرِ والجهادِ في سبيلِ اللهِ وغيرِ ذلكَ؛ ليستْ هيَ القُدْرَةَ على إيقاعِ الفِعْلِ فَحَسْبُ!، بل المرادُ القُدْرَةُ التي يَتحقّقُ بِها مَقصودُ الشارِعِ من إقامَةِ الحُكمِ، فإنّ الثلاثَةَ والأرْبَعَةَ مَثلًا في حُكمِ العادَةِ قادِرُونَ علَى قطْعِ يدِ السارِقِ؛ أو رَجْمِ الزانِي، لكنْ لَمّا كانَ مقصودُ الشرْعِ من إقامَةِ الحُدودِ - وهو تأمينُ السبُلِ ورَدْعُ الناسِ عن مواقَعَةِ نَحوِ هذه الأعمالِ - لا يَتحَقّقُ بصنيعِ الآحادِ من الناسِ؛ شرَعَ لَهُ حَدًّا من القُدرَةِ زائدًا على مطْلَقِ القُدْرَةِ على الفعْلِ، يَتَحَقّقُ بِهِ مقصودُهُ، ولذا شرَطَ الأئمةُ رَحِمهم اللهُ تعالَى لإقامَةِ الحدِ السلطانَ، لأنهُ الذي يرتدِعُ بهِ أهلُ الفسادِ والإجرامِ) اهـ.
(1) صحيح البخاري: (1117) .
(2) مجموع الفتاوى (19/ 218 - 219)