الصفحة 79 من 103

وملابساته على واقعنا الحالي الذي يختلف عن ذلك الواقع اختلافا كبيرا وهذا ما يجر إلى الوقوع في أحكام خاطئة، وبيان هذا كالتالي.

أورد أبو عبد الله عن ابن حزم رحمه الله قوله في (ص 13) نقلا عن [الفصل في الملل والأهواء:4/ 129] (وأما من قال إن الإمامة لا تصح إلا بعقد فضلاء الأمة في أقطار البلاد فباطل لأن تكليف ما لا يطاق وما ليس في الوسع) اهـ.

أقول: إن المتأمل في كلام ابن حزم ليجد أن ابن حزم رحمه الله (ابن وقته) فهو يتكلم عن زمانه وهذا هو الفقه الحي الواقعي الذي ( .. يعرف الواقع ولا يجهله، يلتفت إليه ولا يلتفت عنه، يُعمله ولا يهمله، يبني عليه ولا يبني في فراغ) .

إن ابن حزم يتكلم عن زمن (الخيل، والبغال، والحمير) ، وليس عن زمن (الصاروخ، والنت) الذي صير العالم كله كالقرية الواحدة، ولهذا نجده رحمه الله يقول: (أما من قال إن الإمامة لا تصح إلا بعقد فضلاء الأمة في أقطار البلاد فباطل .. ) ثم يعلل رحمه الله وجه بطلان ذلك بقوله: (لأنه تكليف بما لا يطاق و ما ليس في الوسع) وصدق!، لأنه لا يمكن في ذلك الزمن، زمن الخيل .. أن تجمع بيعة فضلاء الأمة في جميع الأقطار، لأن ذلك يستغرق سنين عددا!!، وهذا لا شك من تكليف ما لا يطاق كما أنه مود إلى فساد عريض لأنه يلزم عنه بقاء منصب الإمامة شاغرا طول هذه المدة!، وهذا لا يجوز.

أما اليوم في عصر (النت) فقد أصبح ما كان مستحيلا في زمن ابن حزم رحمه الله تعالى ممكنا متيسرا، حيث يمكن أن تتصل بجميع أو أكثر فضلاء الأمة في أقاصي الأرض في مدة وجيزة جدا

والاستدلال بكلام ابن حزم رحمه الله من طرف أبي عبد الله على ما يرومه وهو (عدم شرطية مبايعة فضلاء الأمة في أقطار البلاد في انعقاد الإمامة) آفته -كما ترى- من الجمود على ما هو مسطور في كتب كتبت لزمان غير هذا الزمان، وهذا ما يفقد رسالته (الواقعية) .

والذي يدل عل صحة ما وجهنا به كلام ابن حزم هو تتمة كلام ابن حزم نفسه رحمه الله الذي أورده أبو عبد الله الليبي، حيث يقول ابن حزم رحمه الله [الفصل في الملل والأهواء والنحل:4/ 129] : ( ..(قال أبو محمد) ولا حرج ولا تعجيز أكثر من تعرف إجماع فضلاء من في المولتان والمنصورة إلى بلاد مهرة إلى عدن إلى أقاصي المصامدة بل طنجة إلى الأشبونة إلى جزائر البحر إلى سواحل الشام إلى أرمينية وجبل القبج إلى اسينجاب وفرغانة واسروسنه إلى أقاصي خراسان إلى الجوز جان إلى كابل المولتان فما بين ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت