هذا حكمنا بصحة توبته ظاهرا، ورتبنا عليه آثارها، وقد يكون صاحبها كاذبا في الباطن وهذا لتعذر الاطلاع على بقية شروط التوبة (الباطنة) (كالعزم على أن لا يعود إلى المعصية) لأن هذا يرجع إلى الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
واستجماع التوبة للشروط الظاهرة والباطنة المذكورة في كلام الإمام النووي رحمه الله السابق تسمى (التوبة الحقيقية) وهي التي تنفع صاحبها في الدنيا والآخرة.
وأما التوبة الحكمية والتي لم تستجمع من شروط التوبة إلا (الظاهرة فقط) فهي تنفع صاحبها في أحكام الدنيا فقط، مثل المرتد ردة مجردة فإنه يرفع عنه حد القتل في الدنيا بتلك الشروط الظاهرة، ويحكم له بحكم المسلمين في أحكام الدنيا، ولكنه يحشر يوم القيامة في زمرة المنافقين، إن لم يضم إليها شروط التوبة الحقيقية.
وهذه المسألة تشبه مسألة (الإسلام الحقيقي، والإسلام الحكمي) و (الإيمان الحقيقي، والإيمان الحكمي) ، بل هما من باب واحدة.
فمن أظهر لنا الإسلام في الظاهر بالنطق بالشهادتين وأداء ما لا يصح الإسلام إلا به، ولم يظهر منه ناقض من نواقض الإسلام، حكمنا بإسلامه في الظاهر وعاملناه معاملة المسلمين في أحكام الدنيا، وقد يكون (منافقا) في أحكام الآخرة.
وهذا ما يقال في مسألتنا هذه، فمن أظهر شروط التوبة الظاهرة، فإننا نعامله معاملة المسلم لارتفاع وصف (الردة) عنه ظاهرا، فإن كان صادقا في شروطها الباطنة نفعه ذلك في الآخرة كذلك، وإن لم يكن صادقا، لم ينفعه ذلك وكان كما سبق له حكم المنافقين الذين يظهرون (الإسلام) الحكمي، ويسرون (الكفر) الحقيقي.
فائدة وتنبيه: قد نقرأ أو نسمع أن بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى يقولون عن بعض مرتكبي الجرائم (لا تقبل توبته) ، فمرادهم بذلك ليس الحكم الأخروي فيما بينه بين الله تعالى، فإن الأئمة رحمهم الله أعظم من أن يتجاسروا على التألي على الله سبحانه، لأن هذه المسألة (قبول التوبة في الآخرة من عدمها) ترجع إلى الله سبحانه، كما قال ذلك العالم العارف في حديث الذي قتل تسعة وتسعين نفسا لما سأله الرجل القاتل عن صحة توبته عند الله قال: (( ومن يحول بينه وبين التوبة .. ) )أي أن باب التوبة مفتوح لا يملك أحد من الخلق غلقه، والحديث صحيح.
وإنما مرادهم بتلك الكلمة أن توبته لا تسقط عنه العقوبة في الدنيا، ومنه ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (أضربه كمثال) في حكم الساب للنبي صلى الله عليه وسلم عن مذاهب العلماء.