فإن قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم (امتنع عن قتل المنافقين -المرتدين-) وأما كتيبة شهداء أبو سليم فقاموا (بحماية المرتد) والحماية أمر زائد على مجرد الإمهال وترك القتل، فظهر بهذا الفرق، وبه بان عدم صحة ما ذكرتموه من القياس.
والجواب مركب من أمرين:.
الأول: إن امتناع وترك النبي صلى الله عليه وسلم لفعل من الأفعال كما ذكر أهل العلم لا يدل على التحريم المطلق إلا إذا احتفت به قرائن ينظر: [سنة الترك ودلالتها على الأحكام الشرعية للجيزاني: ص 57] .
وقد وضع أهل العلم رحمهم الله ضابطا -زيادة على الضوابط الموضوعة- لمعرفة كون الفعل من صغائر الذنوب أم كبارها وهو -ما أسلفنا- ما يترتب على الفعل من المصلحة أو المفسدة أي حسب درجة حجمها
وفي هذا يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: [الموافقات: 1 / ص 338]
(لكن الفعل يعتبر شرعا بما يكون عنه من المصالح أو المفاسد وقد بين الشرع ذلك، وميز بين ما يعظم من الأفعال مصلحته؛ فجعله ركنا، أو مفسدته؛ فجعله كبيرة وبين ما ليس كذلك؛ فسماه في المصالح إحسانا وفي المفاسد صغيرة، وبهذه الطريقة يتميز ما هو من أركان الدين وأصوله، وما هو من فروعه وفصوله ويعرف ما هو من الذنوب كبائر، وما هو منها صغائر، فما عظمه الشرع في المأمورات؛ فهو من أصول الدين، وما جعله دون ذلك؛ فمن فروعه وتكميلاته، وما عظم أمره في المنهيات؛ فهو من الكبائر, وما كان دون ذلك؛ فهو من الصغائر، وذلك على مقدار المصلحة أو المفسدة) اهـ
ومثله عند العز بن عبد السلام في [قواعد الأحكام في مصالح الأنام: 1 / ص 19]
ولا شك أن امتناع وترك النبي صلى الله عليه وسلم لقتل المنافقين (ممن ثبتت ردتهم) دال على تحريم قتلهم نظرا للقرينة وهي ما يؤول إليه الفعل (القتل) من المفسدة الكبيرة المحققة -كما ذكرنا-.
الأمر الثاني: أن النهي سواء كان قولا أو كان مما فهم من ترك الفعل من خلال القرائن، فيه معنى الحماية لأن نهي المؤمنين عن التعرض للمنافقين (المرتدين) لظروف وملابسات فيه حماية ضمنية لهم، وإن كانت ليس مقصودة لذاتها -وحاشاه من ذلك- وإنما لغيرها وهي حماية الشريعة من أن يتكدر صفوها أو يشوه بهاؤها.
ولهذا سمى الله سبحانه في مواضع من كتابه نواهيه (بالحدود) ، كما في قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا} (البقرة: من الآية 187) {تلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} (البقرة: من الآية 229) .