الصفحة 58 من 103

إصلاح، فهل بعد هذا الفساد فساد؟) اهـ.

وإذا كان الأمر في المنافقين الذين ( .. كتموا نفاقهم ويحلفون بالله ما قالوا!) واضحا .. أي أنهم يعاملون بما أظهروا من الإيمان ولا يؤاخذون بما أضمروا من الكفر والنفاق وهذا لعدم قيام البينة عليهم، فماذا يقال: فيمن ثبت نفاقهم كالذين أسلفنا ذِكْرهم في كلام الأئمة ولا سيما عبد الله بن أبي ابن سلول مع تنصيص القرآن الكريم على أنهم يصدون عن سبيل الله .. ويوالون أعداء الله .. إلى آخر بوائقهم، فكيف ساغ تركهم يعيثون في الأرض فسادا؟!.

مع أن هناك أيضا فارقا مهما بين الأصل المقيس عليه (عدم قتل النبي صلى الله عليه وسلم لمن ثبت نفاقهم مع شدة خطرهم) والفرع (وهو عدم قتل مصطفى عبد الجليل) وهو-زيادة على ما تقدم من أن الخطر في الأصل أقوى- .. أن زيارة عبد الجليل لدرنة كان في وقت قصير (إلقاء كلمة) أما أهل النفاق في المدينة النبوية فقد كان مكثهم وسكناهم بها لسنين وهذا ما يعني أن فسادهم أشد خطرا وأعظم انتشارا وتجذرا كما قدمنا، وهذا ما يجعل القياس قياسا أولويا، أي إذا جاز عدم قتل من ثبت نفاقه مع شدة خطره لما يرجى من دفع مفسدة هي أعظم من مصلحة قتله، جاز من باب أولى فعل ذلك مع من هو أخف كفرا وأقل ضررا حجما وزمانا إذا كان في قتله مفسدة تربوا على مصلحة قتله.

فهل يقول صاحب فتح العليم في النبي صلى الله عليه وسلم من أنه مكن هؤلاء المنافقين الذين يعلم حالهم وثبت بالبينة نفاقهم وأخبر القرآن بجرم فعالهم ما قاله في كتيبة شهداء بوسليم من أنهم عملوا على (حماية المرتد ونصرته حال دعوته للردة) اليقين أنه لن يفعل ..

وأكرر هنا قلت مرارا من أن المسألة المطروحة هي مسألة فقهية وليست مسألة عقدية تعارضت فيها مصلحة مرجوحة (قتل المنافقين الذين ثبت نفاقهم) كما في الأصل المقيس عليه، وقتل (مصطفى عبد الجليل) كما في الفرع، مع مفسدة راجحة وهي عدم القتل، والشرع الصريح والعقل الصحيح يقضيان بتغليب المفسدة الراجحة على المصلحة المرجوحة.

وزيادة في التوضيح أقول: حتى لو أخطأ الإخوة في كتيبة شهداء أبوسليم وكان ما رجحوه هو في واقع الحال مرجوحا أي أنهم لالتباس الأمر عليهم رجحوا المفسدة المرجوحة (عدم القتل) على المصلحة الراجحة (القتل) فالواجب أن نعذرهم ونقول لهم -كما هو الواجب الشرعي- (أخطأتم) ، ولا يجوز أن نقول لهم (كفرتم وارتددتم) لأنه لا يقدم على هذا ولا يقتحم تلك العقبة إلا جاهل أو مغال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت