فنحن نرى من خلال ما نقلناه عن العلماء الأعلام أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم لقتل المنافقين الذين ثبتت ردتهم لما عارضها من المفاسد التي تربوا على مصلحة قتلهم قد صنفها أهل العلم ضمن (الفقه) أو السياسة الشرعية أي (الموازنة بين المصالح والمفاسد) ولم يقل أحد منهم إن بابها (مسائل الكفر والإيمان) كما فعل من تكلم في هذه المسألة بغير علم، وسيأتي زيادة توضيح لهذه المسألة إن شاء الله ..
-يقول صاحب فتح العليم: (ومن العجيب ما يذكره هؤلاء من عدم التفريق بين ترك قتل المرتد لمصلحة راجحة وبين حماية المرتد ونصرته حال دعوته للردة والكفر، فيقيسون حماية الداعي للكفر أثناء دعوته، بترك قتل النبي صلى الله عليه وسلم للمنافقين .. ) اهـ.
أقول: إن القياس الذي تعجب منه الأخ المذكور قياس صحيح وإن لم يتسع له فهمه، وبيان هذا كالتالي ..
إن الأمر الذي لا مراء فيه أن خطر المنافق على الدين وأهله أشد من خطر الكفار سواء كانوا أصليين أم مرتدين وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في صدر سورة البقرة حيث ذكر المؤمنين وصفاتهم والثناء عليهم في خمس آيات، ثم ذكر الكفار في آيتين، ثم عقب بذكر المنافقين في خمس عشرة آية!!، وما هذا إلا لشدة خطرهم وعظم ضررهم كما أسلفنا.
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تقرير هذه الحقيقة [تيسير الكريم الرحمن: 1/ 43] في تفسيره لقول الله تعالى عن المنافقين
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} .
(أي: إذا نهي هؤلاء المنافقون عن الإفساد في الأرض، وهو العمل بالكفر والمعاصي، ومنه إظهار سرائر المؤمنين لعدوهم وموالاتهم للكافرين {قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} فجمعوا بين العمل بالفساد في الأرض، وإظهارهم أنه ليس بإفساد بل هو إصلاح، قلبا للحقائق، وجمعا بين فعل الباطل واعتقاده حقا، وهذا أعظم جناية ممن يعمل بالمعصية، مع اعتقاد أنها معصية فهذا أقرب للسلامة، وأرجى لرجوعه.
ولما كان في قولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} حصر للإصلاح في جانبهم - وفي ضمنه أن المؤمنين ليسوا من أهل الإصلاح - قلب الله عليهم دعواهم بقوله: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} فإنه لا أعظم فسادا ممن كفر بآيات الله، وصد عن سبيل الله، وخادع الله وأولياءه، ووالى المحاربين لله ورسوله، وزعم مع ذلك أن هذا