يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى كما في [زاد المسير في علم التفسير: 1/ 151] :
(الحدود ما منع الله من مخالفتها، فلا يجوز مجاوزتها. وأصل الحد في اللغة: المنع، ومنه: حد الدار، وهو ما يمنع غيرها من الدخول فيها. والحداد في اللغة: الحاجب والبوّاب، وكلّ ما منع شيئًا فهو حداد) اهـ
كما شبه النبي صلى الله عليه وسلم نواهي الله ومحارمه بالحمى الذي يحميه الملك فلا يجوز قربانه فضلا عن تخطيه ..
فقد روى الشيخان البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات: كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ) ).
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه على مسلم [11/ 28] :
(إن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه) معناه أن الملوك من العرب وغيرهم يكون لكل ملك منهم حمى يحميه عن الناس ويمنعهم دخوله فمن دخله أوقع به العقوبة ومن احتاط لنفسه لا يقارب ذلك الحمى خوفا من الوقوع فيه ولله تعالى أيضا حمى وهي محارمه أي المعاصي التي حرمها الله كالقتل والزنا والسرقة والقذف والخمر والكذب والغيبة والنميمة وأكل المال بالباطل وأشباه ذلك فكل هذا حمى الله تعالى من دخله بارتكابه شيئا من المعاصي استحق العقوبة .. ) اهـ
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في [جامع العلوم والحكم: 1/ 207] :
(فجعل النبي صلى الله عليه وسلم مثل المحرمات كالحمى الذي يحميه الملوك، ويمنعون غيرهم من قربانه .. ) اهـ
وبهذا يظهر صحة القياس الذي لم يتسع له الفهم، كما يظهر أن الغاية من منع قتل المنافقين ليس حمايتهم وإنما حماية الدعوة، وهو نفس ما يقال عن حماية عبد الجليل أنه ليس المقصود منها حفظ وحماية (شخصه) وإنما حماية شعيرة الجهاد من التشويه والاصطلام.