وعليه فقد تكون الهجرة أو غيرها من الأعمال مشروعا في الأصل لكن له مآل مفسدته تربوا على مصلحة الأصل (الهجرة) فتمنع الهجرة لأجله.
تنبيه مهم: إن أمر وجوب الهجرة من عدمها ليس منوطا بالإمام أو الأمير لذاته، وإنما منوط بما يترتب عليه من مقاصد الهجرة، أعني هل الهجرة واجبة نظرا لأن عدمها يؤدي بالمسلم أو المسلمة إلى الفتنة في الدين أو انتهاك العرض؟، أم مستحبة نظرا لأنه لا يترتب عليها شيء من ذلك؟، أو محرمة نظرا لأن ما يفوت بالمقام وعدم الهجرة من المصالح أعظم مما يحصل بها (الهجرة) ؟، هذا هو الضابط والميزان، وليس كون ذلك أمر الأمير مجردا، ولهذا كان من القواعد الجليلة التي قررها أئمتنا رحمهم الله أن (تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة) وهذا لقول الشافعي رحمه الله: (منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم (.
وأصل هذه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما أخرجه سعيد بن منصور في سننه .. عن البراء بن عازب قال: قال عمر رضي الله عنه (إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إن احتجت أخذت منه فإذا أيسرت رددته فإن استغنيت استعففت (.
(ينظر الأشباه والنظائر للسيوطي (1/ 121 (.
والمقصود .. كما أن ولي اليتيم لا يجوز له أن يتصرف في مال اليتيم إلا بما تقتضيه مصلحته، فإن تصرف بخلاف ما تقتضيه المصلحة رُدَّ، فكذلك الإمام تصرفه يكون بتلك المثابة (مصلحة الرعية) فإن خرج تصرفه عما يقضي به المصلحة -كما في مسألتنا هجرة الحرائر إلى ساحات الوغى- رُدَّ.
صحيح أن مِن بين مَن يجوز له أن يفتي بوجوب الهجرة من عدمها ويلزم الرعية الأخذ باجتهاده هو الإمام نظرا لكونه -في الأصل- من أهل العلم والاجتهاد لكن -من جهة أخرى- الإمام كغيره من أهل العلم يشترط في فتواه أن لا يدل الدليل الشرعي على خطئه فيها، أعني أن تخرج فتواه عن كونها من (مسائل الاجتهاد) التي يطاع فيها الإمام وإن كان رأيه مرجوحا عند الرعية، إلى كونها (فتوى الإمام) من (مسائل الخلاف) التي تخالف النصوص القطعية التي تقضي بوجوب حفظ عرض ودم المسلم والمسلمة. فإن كانت الفتوى بهذه المثابة مخالفة للدليل الشرعي السالم عن المعارض -ولا سيما في مسائل بمثل ما نحن بصدد الكلام فيه- فيحق لنا حينئذ أن نقول له (لا سمع ولا طاعة)