قال ابن قدامة رحمه الله في المغني (9/ 206) :
[فصل نقل النساء والذرية إلى الثغور المخوفة]
(ومذهب أبي عبد الله كراهة نقل النساء والذرية إلى الثغور المخوفة. وهو قول الحسن، والأوزاعي؛ لما روى يزيد بن عبد الله، قال: قال عمر: لا تنزلوا المسلمين ضفة البحر. رواه الأثرم بإسناده.
ولأن الثغور المخوفة لا يؤمن ظفر العدو بها، وبمن فيها، واستيلاؤهم على الذرية والنساء
قيل لأبي عبد الله: فتخاف على المنتقل بعياله إلى الثغر الإثم؟ قال: كيف لا أخاف الإثم، وهو يعرض ذريته للمشركين؟ وقال: كنت آمر بالتحول بالأهل والعيال إلى الشام قبل اليوم، فأنا أنهى عنه الآن .. ) اهـ.
أقول: رحم الله الإمام أحمد فكأنه يتكلم -في الجملة الأخيرة من كلامه- عن حال أهل الشام اليوم وما أشبهها من الساحات (وقال: كنت آمر بالتحول بالأهل والعيال إلى الشام قبل اليوم، فأنا أنهى عنه الآن .. (.
وما اختلاف فتوى الإمام رحمه الله إلا لاختلاف مناطها حيث كان يأمر بالتحول بالأهل والعيال إلى الشام لما كان الخوف لا يشكل عليهم خطرا، أما بعد أن تحول الحال وأصبحت (مخوفة) نهى عنه .. ، فليعتبر (الجامدون (!!
ولا تفهمن من كلام ابن قدامة رحمه الله السابق (ومذهب أبي عبد الله كراهة نقل النساء والذرية إلى الثغور المخوفة) أن المقصود بالكراهة هي كراهة التنزيه في اصطلاح الفقهاء والتي ضابطها (ما لا يعاقب على فعله، ويثاب على تركه امتثالا) ، بل المقصود بالكراهة (التحريم) دليل هذا جوابه رحمه الله بعد هذا (. قيل لأبي عبد الله: فتخاف على المنتقل بعياله إلى الثغر الإثم؟ قال: كيف لا أخاف الإثم، وهو يعرض ذريته للمشركين؟) فلحوق الإثم لا يكون إلا لفعل محرم لا لمكروه -بحسب الاصطلاح-.
كما أنه مما ينبغي التنبيه عليه والتنبه له أن الجهاد في ذلك الوقت -زمن الإمام أحمد-كان فرض كفاية أي أن الأمة كانت في موقع قوة مرهوبة الجانب تخافها الأمم ومع هذا فقد حكم الإمام على مصطحب الذرية والنسوان إلى الثغور المخوفة بالإثم أو كما جاء في قوله: (يخاف عليه الإثم) أما في زماننا هذا الذي تكالب فيه الأعداء على الأمة، ولم تصبح الثغور فقط مخوفة، بل أكثر من ذلك استباح العدو الدار واعتدى على الدين والدماء