والثانية: أنه إن قدر على الامتناع في دار الكفر والاعتزال، ولم يرج نصرة المسلمين بالهجرة، وجب عليه المقام في دار الكفر؛ لأن موضعه فيها دار إسلام، فلو هاجر لصار دار الحرب، ويحرم ذلك.
والثالثة: أنه إن قدر على قتال الكفار أو دعائهم إلى الإسلام، لزمه ذلك، وإلا فلا
وأما إذا كان المسلم عاجزا عن إظهار دينه في دار الكفر، فيحرم عليه الإقامة فيها، وتجب عليه الهجرة إلى دار الإسلام إن استطاعها، فإن لم يقدر على الهجرة فهو معذور إلى أن يقدر .. ) اهـ.
وأما إذا كانت مصلحة إقامة المسلم في دار الكفر أعظم من مصلحة هجرته فهذا الذي تحرم عليه الهجرة.
قال الإمام الشوكاني رحمه الله في (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار(1/ 976) :
معلقا على قول صاحب حدائق الأزهار
(وتجب الهجرة عنها(أي دار الحرب) وعن دار الفسق ... إلا لمصلحة أو عذر .. )
وأما قوله:"إلا لمصلحة"فوجهه ظاهر فإنها إن كانت المصلحة العائدة على طائفة من المسلمين ببقائه ظاهرة كأن يكون له مدخل في بعض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو في تعليمه معالم الخير بحيث يكون ذلك راجحا على هجرته وفراره بدينه فإنه يجب عليه ترك الهجرة رعاية لهذه المصلحة الراجحة لأن هذه المصلحة الحاصلة له بالهجرة على الخصوص تصير مفسدة بالنسبة إلى المصلحة المرجوة بتركه للهجرة) اهـ.
وليس المقصود بذكر أحكام الهجرة استيعابها لأن ذلك أمر يطول، وإنما المقصود دفع توهم أن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة بإطلاق، وفي اعتقادي أنه لو انتبه الموجبون للهجرة من دار الكفر بإطلاق لهذا التفصيل لما وقعوا فيما وقعوا فيه (من إيجاب الهجرة على الحرائر) رغم ما يكتنفه من محظورات ومخاطر.
وهذا الحكم المقصود به الرجال بالأساس، أما بالنسبة لهجرة المرأة فهو أشد فهي ليست في الهجرة كالرجل -كما لا يخفى-، ولهذا نص أهل العلم رحمهم الله على عدم جواز اصطحاب الذرية والنسوان إلى الثغور المخوفة خشية أن يقعوا سبايا في يدي العدو.