الصفحة 24 من 103

إن حكم (الهجرة) كغيره من الأحكام الشرعية مرتبط جوازا ومنعا بما يترتب عليه من المصالح والمفاسد، ولهذا كان حكم (الهجرة) يختلف من شخص لآخر، وبيئة لأخرى، فتكتنفه لأجل ذلك جل الأحكام الشرعية الخمسة، فيكون (واجبا) كما يكون (مستحبا) ويكون (محرما) ، بحسب ما يترتب عليه من (مصالح ومفاسد) ، ولهذا يشرع للمسلم أن يهاجر من دار كفر يعظم عليه ضررها في دينه أو دنياه إلى دار كفر أخرى أقل ضررا من باب دفع أعظم الضررين باحتمال أدناهما، كما فعل المسلمون الأُوَل رضي الله عنهم بهجرتهم إلى الحبشة وهي دار كفر ولكنها كانت أمنع للظلم، (فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد) كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق النجاشي (ملك الحبشة) وهو يومئذ ما يزال على شركه.

ولكي يتضح لنا حكم الهجرة سنسوق كلام أهل العلم رحمهم الله تعالى في بيان.

حكم الهجرة متى تكون واجبة؟ ... ومتى تكون مستحبة؟ .. ومتى تكون محرمة؟ ...

ورد في الموسوعة الفقهية الكويتية (42/ 183 - 184) :

(اختلف الفقهاء في الحكم التكليفي للهجرة بعد الفتح على أقوال:

القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى التفصيل فقالوا: إن كان المسلم قادرا على إظهار دينه في دار الكفر، ولم يخف الفتنة في الدين، فالهجرة في حقه غير واجبة، ولكنها مستحبة؛ لئلا يكثر سواد الكفار، وليتخلص من مخالطتهم ورؤية المنكر بينهم، وليتمكن من جهادهم، ولأنه لا يؤمن أن يميل إليهم أو يكيدوا له، وليكثر المسلمين ويعينهم بهجرته إليهم أما عدم وجوبها عليه فلإمكانه إقامة واجب دينه بدون الهجرة.

قال الإمام الشافعي: دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن فرض الهجرة على من أطاقها إنما هو على من فتن عن دينه بالبلد الذي يسلم بها؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لقوم بمكة أن يقيموا بها بعد إسلامهم؛ منهم العباس بن عبد المطلب وغيره، رضي الله عنه؛ إذ لم يخافوا الفتنة وحملوا حديث البراءة من كل مسلم يقيم مع المشركين على من لا يأمن على دينه في دارهم

غير أن الشافعية استثنوا من عموم قولهم بالاستحباب في هذه الحالة ثلاث صور:

الأولى: أن المسلم لو رجا ظهور الإسلام بمقامه في دار الكفر كان مقامه فيها أفضل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت