الصفحة 23 من 103

تارة يكون ذلك في جزئي وفرع من الفروع، وتارة يكون في كليٍّ وأصلٍ من أصول الدين ـ كان من الأصول الاعتقادية أو من الأصول العملية ـ فتراه آخذا ببعض جزئيات الشريعة في هدم كلياتها، حتى يصير منها ما ظهر له بادي رأيه من غير إحاطة بمعانيها ولا رسوخ في فهم مقاصدها، وهذا هو المبتدع، وعليه نبه الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقبض الله العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» .

قال بعض أهل العلم: تقدير هذا الحديث يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم أفتى من ليس بعالم. فيؤتى الناس من قبله، وقد صرف هذا المعنى تصريفا، فقيل: ما خان أمين قط ولكنه ائتمن غير أمين فخان. قال ونحن نقول: ما ابتدع عالم قط، ولكنه استفتي من ليس بعالم) اهـ.

واستفتاء غير العلماء هي المسألة التي أبكت ربيعة الرأي شيخ مالك رحمهما الله، لأنها منبع الشر والفتن،

(قال مالك بن أنس: بكى ربيعة يوما بكاء شديدا، فقيل له: مصيبة نزلت بك؟ فقال لا! ولكن استفتي من لا علم عنده) . (الاعتصام(1/ 680) .

أقول: فكيف لو عاش ربيعة إلى زماننا ورأى الجهال يتكلمون في مصير أمة محمد صلى الله عليه وسلم، في دينها ودمائها وأعراضها وأموالها .. ؟!

ولو نظرنا إلى جل الفتن التي غشيت الساحات الجهادية من قديم الزمان حتى الآن لوجدنا أن أصلها وأسها من الجهال المتعالمين الذي لو وسعهم السكوت ورجعوا إلى أهل العلم-كما هو الواجب- لقل الخلاف وزال الاختلاف.

ويقول ابن القيم رحمه الله في بيان خطورة مسلك الذين يأخذون النصوص ببادي الرأي دون الرجوع إلى مبيناتها في القصيدة النونية (1/ 52) :

فعليك بالتفصيل والتمييز فالإ ... طلاق والإجمال دون بيان

قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الـ ... ـأذهان والآراء كل زمان.

هذا وأما عن حكم الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام فأقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت