كنتُ قد تناوَلْتُ هذا الفرقَ بشيءٍ من التحليل عند حديثي عن موقف القرافيّ من الترادف بين الألفاظ، فليُراجَعْ ذلك ثَمَةَ. وأوَدّ الإشارةَ هنا إلى أنَّ القرافيّ - باعتماده الاشتقاقَ وسيلةً للكشف عن الفرق - كان بحثُهُ أعمقَ غورًا من الذين ادَّعَوا أنَّ الثلاثة الألفاظ أسماءُ ذواتٍ، أو أنَّها غير مرتبطة بالألفاظ التي تشابهها في الحروف والتّرتيب بعلاقة تجعلها تدور في فَلَكِ أصل واحد؛ فقد ادَّعى ابن فارس (395 هـ) أنَّ الباء والراء المضاعف أربعةُ أُصول: الصِّدْق، وحكايةُ صَوْتٍ، وخلافُ البَحر، ونَبْتٌ. فَجَعَلَ النبتَ الذي هو (البُرُّ) أصلًا مستقلًا غير مرتبط بالأُصول الأُخرى في المعنى [1] .
أمَّا الرّاغب الأصفهانيّ (425 هـ) فقد كان من الذين التمسوا أصلًا جامعًا لاشتقاقات هذه المادّة اللّغويّة، وكان أكثرَ دِقَّةً من القرافيّ الذي لم يَزِدْ على أن ذَكَرَ أنَّ البُرَّ يرتبط بالبِرّ، لأنّه قوام بنية الإنسان، فقال الراغب: «البَرُّ: خلافُ البَحْرِ، وتُصُوِّرَ منه التوسُّعُ؛ فاشْتُقَّ منه البِرُّ، أي: التوسُّعُ في فعل الخير ... والبُرُّ معروف، وتسميتُهُ بذلك لكونه أوسَعَ ما يُحْتاجُ إليه في الغذاء.» [2] .
وفَعَلَ ابنُ فارس (395 هـ) بمادة (قَمَحَ) فِعْلَهُ بالمادّة قَبْلَها؛ إذ ذَكَرَ أنَّ القاف والميمَ والحاء أُصَيْلٌ يَدُلّ على صفةٍ تكونُ عند شُرْبِ الماءِ من الشارب، وهي رَفْعُهُ رأسَهُ. ولكنّه استدرك على ذلك بقولِهِ إنَّ (القَمْحَ) الذي هو (البُرُّ) شَذَّ عن هذا الأصْلِ [3] . وما ذَكَرَهُ القرافيّ من ارتباط (القَمْحِ) الذي هو (البُرُّ) بأصله بوساطة فكرة التَّعَب في الحرث والحصادِ، فيه التفاتة ذكيّة إلى ما يلازِمُ المعنى الأصليّ للمادّة؛ فكأنَّ رفعَ الرأس بطريقةِ (القَمْحِ) فيه شدّة وتعبٌ لا يَنْفَكُّ عنهما؛ فالقامِحُ هو الذي يرفَعُ رأسَهُ «ناظرًا إلى فوقِه؛ يُقال: قَمَحَهُ الغُلُّ، إذا جَعَلَ رأسَهُ مرفوعًا وغضَّ بَصَرَهُ» [4] ، ولذا جَعَلَ الله - سبحانه وتعالى - الأغْلالَ مقترنةً بهذه الصفة؛ فقال جلَّ شأنُهُ: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ} (يس: 8) ، وقيل: إنَّ
(1) ينظر: معجم مقاييس اللُّغة: 1/ 177 - 179.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 114 - 115.
(3) ينظر: معجَم مقاييس اللُّغة: 5/ 24.
(4) التحرير والتنوير: 22/ 199.