لو قُلْنا إِنَّ (قُلْتُ) بِمَعنى (ظَنَنْتُ) لم يَكُن المَعنى مُتَّجِهًا. فكيفَ يستقيمُ لَهُ المَعنى عندَما يَقولُ:"إِنَّني إذا ظَنَنْتُ أَنّي راجِعٌ إلى بلدةٍ، فإِنَّني سرعانَ ما أُنزِلُ الرَّحْلَ عن ظَهرِ بعيري في تلك البلدةِ [1] في منتصف النهار"؟!! وسواء فهِمتَ القولَ بِحُسبانِهِ ظَنًّا شَكِّيًّا أو يَقينِيًّا [2] ، فإِنَّ شَطرَي البيتِ يَبْدُوانِ غيرَ مُتَساوِقَيْنِ. فإذا شَكَّ الشاعِرُ في عودتِهِ إلى تلك البلدة، فكيفَ يَقولُ تالِيًا إنَّهُ سَيَضَعُ الرحلَ عن ظهر البعير في تلك البلدة؟! أَمّا إِذا كانَ القولُ بمعنى الظنِّ اليقينيِّ، فلا معنى لأنْ يَقولَ إِنَّهُ ما إِنْ يَتَأَكَّد مِن الرجوعِ إلى بلدةٍ حَتّى يُسارِعَ إلى إنزالِ الرَّحلِ وقتَ الهاجِرَةِ.
أَمّا الرأي الوجهُ فَهو أَنْ يُقالَ إِنَّ (قُلْتُ) بِمَعنى القولِ المَعهودِ في الأذهان، الدالِّ على القولِ لفظًا ومعنى، بل أكثَرُ مِنْ هذا، إِذْ لشِدَّةِ تَعَلُّقِ القولِ في بيتِ الحطيئةِ بِالقولِ المَسموع، فإِنَّهُ يأتي بِمعنى الإعلانِ ورَفع الصوت. فكأَنَّهُ يَقولُ:"ما إنْ أُعْلِنْ عن عودتي إلى بلدةٍ ما، حَتّى أُرى فيها ظُهْرًا وأنا أُنْزِلُ الرحلَ"، وفي هذا كنايةٌ لطيفةٌ عن شِدَّةِ سرعةِ جملِهِ. وهو الأمرُ الذي يَتَّفِقُ مع البيتِ الآتي مُباشَرَةً، الذي يَصِفُ فيهِ سرعةَ الجريِ:
تَرى بينَ مجرى مِرْفَقَيْهِ وثيلِه [3] ... هَواءً كَفَيْفاةٍ بَدا أهلُها قَفْرِ
غيرَ أَنَّ مِن المَقطوعِ بِهِ أَنَّ (قالَ أَنَّ) في قولِ البحتريِّ (284 هـ) :
أَعْرَضْتِ حَتّى خِلْتُ أَنّي ظالِمٌ ... وَعَتَبْتِ حَتّى قُلْتُ أَنّي مُذْنِبُ
(1) . الباء في (بها) مِن البيت تعني (في) الظرفية المكانية، والهاء ترجع إلى البلدة.
(2) . انظر: ابن منظور، لسان العرب: (ظنن) .
(3) . الثيل: وعاء قَضيبِ البَعير (انظر: ابن منظور، لسان العرب: ثيل) .