فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 72

بِمَعنى (ظَنَنْتُ) ، مَعَ أَنَّهُ لا أَثَرَ فيهِ للاستفهامِ، وفعل القولِ مسندٌ إلى ما لا خطابَ فيهِ، وهو"تاء المفرد المتكلِّم"، أَيْ مُخالِفًا بذلِكَ القواعدَ التي قَرَّرَها الجمهورُ وذَكَرْناها سابِقًا.

والغريبُ أَنَّ هذا الرأيَ القائِلَ بِأَنَّ (قُلْتُ) في البيتِ بِمعنى (ظَنَنْتُ) ، إِضافةً إِلى خُروجِهِ عن قواعِدِ النحاةِ، فَإِنَّهُ لم يَكُنْ مُمْلىً مِن السياقِ أو مَفروضًا مِن المعنى. إِنَّما كانَ مُسبَّبًا مِن فتحِ الهمزةِ في (أَنَّ) بعدَ (قلتُ) ، ولا شيءَ آخَر. فـ (قُلْتُ) - عندَ بعض الباحِثينَ- مَحْكومٌ عليهِ بأنَّهُ بِمَعْنى (ظَنَنْتُ) ، لمُجَرَّدِ أَنَّ (أَنَّ) جاءَتْ بعدَ (قُلْتُ) ، حَتّى لو خالَفَ ذلك معنى البيتِ ولغةَ العرب. قالَ"محمد محيي الدين عبد الحميد":"وَرَدَ إجراءُ الماضي المُسندِ إلى تاءِ المُتكلِّمِ مُجْرى الظنِّ في قولِ الحُطَيْئَة ... وَوَجْهُ الاستشهادِ بهذا البيتِ أَنَّ الرِّوايَةَ فيهِ بفتحِ همزةِ"أَنّي". فلو لم تَكُن"قُلْتُ"بِمَعْنى"ظَنَنْتُ"لَوَجَبَ أَنْ تُكْسَرَ الهمزةُ، لِما عَلِمْتَ مِن أَنَّ كَسْرَ الهَمْزَةِ واجِبٌ بَعْدَ القولِ الذي تَقْصِدُ بِهِ الحِكاية، كما في قولِهِ - تَعالى-: {قالَ إِنّي عَبْدُ اللهِ} " [1] .

فالمِعْيارُ الذي إليه الاحتِكامُ في إثباتِ معنىً للقولِ عندَهُ، سواء أكانَ الظنَّ أم القولَ المعهودَ، ليسَ المعنى ولا السياق، بل كَسْرَ الهمزةِ وفَتْحَها. ولم يَتَوَقَّفْ"عبد الحميد"قليلًا أو كثيرًا ليَشْرَحَ لَنا البيتَ وَفْقًا لـ (قالَ) الظنِّيَّةِ كما يَفهَمُها! بل إنَّهُ - على غيرِ ما عَوَّدَنا- لم يَتَعَرَّضْ للبيتِ مِن حيثُ اللغة، فلم يُفَسِّرْ كلمةً واحِدَةً فيهِ، رغمَ كونِهِ شاهِدًا لغويًّا!.

(1) . ابن هشام، شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب: ص 379.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت