فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 72

صلاحًا هاجَرَ إلى أستراليا؟". هما جملتانِ لاحنتان في مثلِ السياقِ المَضروبِ ثانِيًا، لأنَّ المقامَ لا يَسْتَوعِبُ الاستِعلامَ عن رأي مُكَلِّمِك."

وبِمُوازَنَةٍ سريعةٍ بينَ الاستفهامِ المُشتمِلِ على القولِ المُنَزَّلِ تنزيلَ الظنِّ، كما في:"أَتَقولُ البَطلَ مَيِّتًا نِهايةَ الفِلْمِ؟"، والاستفهامِ الآخَرِ المُضَمَّنِ كلامًا مَنقولًا كما في:"أَتَقولُ إِنَّ صلاحًا هاجَرَ إلى أستراليا؟"، نَطْمَئِنُّ إلى تقريرِ أَنَّ الأخيرَ لا مَحالةَ مُؤَسَّسٌ على كلامٍ خبريٍّ سابقٍ، وسبيلُهُ التعجُّبُ أو الإنكار، ولا يُحتاجُ فيهِ إلى جواب. أمّا الأوَّل فغيرُ حقيقةِ الثاني، إذْ لا يتأسَّسُ على كلامٍ خبريٍّ كالذي تأسَّسَ عليهِ ذلكم، وسبيلُهُ طَلَبُ العلمِ حولَ ظنِّ مقابِلِكَ ورأيِهِ، ولذلك فهو مُفتقِرٌ إلى جواب.

وقد أَفْضى بعضُ المُتَقَدِّمِ، إلى أَن اسْتَحْكَمَ الأمرُ ببعضِ القومِ، فما كانَ مِنهُم إلا أَن انقادوا إلى وَضْعٍ عكسيٍّ، مُؤَدّاهُ أَنَّكَ أينما رأيتَ (أَنَّ) المَفتوحةَ حالَّةً بعدَ قولٍ، فلا بُدَّ مِنْ أَنْ تُفَسِّرَ الأمرَ سريعًا على أَنَّهُ مِن بابِ (قالَ) الظنِّيَّةِ، بغضِّ الطَّرْفِ عن مُلابساتِ السياقِ وحيثيّاتِهِ. وهذا لا يَصِحُّ عندي، فقد غدا واضِحًا أَنَّ العربيَّةَ - في عُصورٍ لاحقةٍ- أنشأت تَنحو منحىً تَطَوُّرِيًّا، تُمْحِضُ فيهِ أَداةً واحِدةً لنوعي القولِ: الحِكايةِ والإخبار، وهي (أَنَّ) . فتَجِدُ مَن يَقولُ بفتحِ الهمزة:"قالَ أَنَّهُ سيذهب"، كقولِك بالكسر:"قالَ إِنَّهُ سيذهب"، ولا فَرق.

فمِن الباحِثينَ مَن يَرى أَنَّ (قُلْتُ) في بيتِ الحُطَيئَةِ (45 هـ) ، الوارِدِ مَطلَعًا لقصيدةٍ يَصِفُ فيها جَمَلًا: [1]

إذا قُلْتُ أَنّي آيِبٌ أَهْلَ بَلْدَةٍ ... وَضَعْتُ بِها عَنْهُ الوَلِيَّة [2] بِالهَجْر [3]

(1) . انظره في: خالد بن عبد الله الأزهري، شرح التصريح على التوضيح: 1/ 381.

(2) . الوَلِية: جمعها ولايا، كلّ ما يلي ظهرَ البعير ويكون تحت الرحل (انظر: ابن منظور، لسان العرب: هجر) .

(3) . الهَجْر: نِصف النهار عند اشتداد الحرّ (انظر: ابن منظور، لسان العرب: هجر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت