أَلا تَرى أَنَّهُ يُقالُ: هذا قَوْلُ فلان، ومَذْهَبُ فلان، وما تَقولُ في مسألة كذا، ومعناهُ: ما ظَنُّك وما اعتقادك" [1] ."
والمُستَصْفى مِن بَعْدِ هذا أَنَّ الحَيِّزَ الذي يَستقْطِنُهُ فِعْلُ القولِ في العربيَّة ويَنْشَطُ فيهِ هو: اللسانُ لنقلِ الكلام، والمكانُ لنقل الأفعال، والأذهانُ لنقل الأفكار.
وثَمَّةَ مَوْقِفٌ ثانٍ نَستحسِنُ إيرادَهُ، لأنَّهُ قريبٌ جِدًّا مِن سابِقِهِ المَضْروبِ مِن غيرِ أَنْ يَتَلَبَّسَهُ. وهو أنْ يَذْكُرَ شخصٌ يُحاوِرُكَ رأيًا سيِّئًا أو غريبًا، فيدفعَكَ ذلك إلى أنْ تُعيدَ ذِكرَ رأيِهِ، وتنقُلَهُ مِنهُ إليهِ، تَعَجُّبًا مِنْكَ أَو إنكارًا أو نَحو ذلك، ولكنْ بِتَحْويلِكَ بنيةَ كلامِهِ ووجهتَهُ مِن الإخبارِ إلى الاستفهام.
ونَضْرِبُ لهذا مثَلًا رَجلًا، اسمُهُ صَلاح، لَكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ كبيرٌ، فَجاءَكَ مَنْ يُخبِرُكَ، وَلْيَكُنْ خالدًا، بِأَنَّ مَدينَكَ صلاحًا، قد سافَرَ إلى أستراليا مُهاجِرًا، ولم يَكُنْ قد استأذَنَكَ أو أعْلَمَكَ بِسَفَرِهِ. فعِنْدَما يَقولُ لَكَ خالِدٌ - مَثَلًا-:"هل عَرَفْتَ الخبرَ؟ لقد هاجَرَ صَلاح إلى أستراليا". فيُتَوَقَّعُ أَنْ تَتَمَلَّكَكَ الدَّهشةُ حينئِذٍ، فتقولَ مُنْكِرًا أَو غاضِبًا أو مُتَعَجِّبًا: (أَتَقولُ:"هاجَرَ صَلاحٌ إلى أستراليا"؟) ، ناقِلًا الكلامَ نقلًا حِكائِيًّا كما صَدَرَ مِن مُخبِرِك خالِدٍ. أو تَقولَ مُتَصَرِّفًا في كلامِهِ:"أَتَقولُ إِنَّ صلاحًا هاجَرَ إلى أستراليا؟". وهذا - حسبُ- هو السياقُ الذي يَتَجَلّى فيهِ نقلُ الكلامِ، فيَكونُ هذانِ السؤالانِ في هذا المقام داخِلَيْنِ بِقُوَّةٍ في بابِ ما نُقِلَ مِن كلامٍ.
وما مِن شَكٍّ في أَنَّ هذا الموقِفَ -الأخيرَ- أبعدُ ما يَكونُ عن سياقِ الظنِّ، فلا يَرِدُ على خاطِرِ واحِدِنا أَنْ يُجْرِيَ فيهِ القولَ مُجْرى الظنِّ، فيَسألَ خالِدًا، فيقولَ:"*أتقولُ (=أَتَظُنُّ) صلاحًا هاجَرَ إلى أستراليا؟"، أو"*أتقولُ (=أَتَظُنُّ) أَنَّ"
(1) . ابن يعيش، شرح المفصل: 7/ 79.