فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 72

أَتَقولُهُ مُراءٍ يا رَسولَ اللهِ؟ فقالَ النبيُّ - صَلّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-: لا، بل مؤمِنٌ مُنيب" [1] ."

ومثلُ هذا السياقِ هو بالضبطِ، دونَ غيرِهِ، المَقصودُ بِما نَحنُ فيهِ مِن حديثٍ عن إنزالِ القولِ مَنْزِلَةَ الظنِّ. ومِن الواضِحِ أَنَّ المُستفهِمَ لا يَكونُ حينئِذٍ شاكًّا، كما فَهِمَ صاحبُ"اللباب" [2] ، أو وَهِم. فكلُّ ما هنالِكَ أَنَّ المُستفهِمَ يَطْلُبُ رأيَ مُحدِّثِهِ أو ظنَّهُ في قضيَّةٍ ما، ليس غير. ويَتَرَتَّبُ عليهِ أَنْ يُقالَ: رغمَ أَنَّ القولَ المُجْرى مجرى الظنِّ قولٌ في ظاهرِ اللفظِ، إلا أَنَّهُ ليسَ له أَدنى عَلوقٍ بِنَقلِ الكلامِ، فبحسبِ (قالَ) الظنِّيَّةِ هذه، لا يَكونُ الناطِقُ السائلُ قاصِدًا إلى نَقْلِ الكلامِ البتَّةَ.

وكثيرًا ما يَتَمَثَّلُ لِخاطِري أَنَّ هذا المبحثَ، إجراءَ القولِ مجرى الظنِّ، مُرتبِطٌ ارتباطًا وثيقًا بما جاءَ في موضِعِهِ مِن البحثِ مِمّا خَلَّفْناهُ ظِهْرِيًّا. فإِذا كانَ فعلُ القولِ - كما تَجَلّى- مُوَظَّفًا في العربيَّةِ بوصفِهِ الفعلَ الرَّئيسَ اللازِمَ لنقلِ الكلامِ، وتَعَدّى الأمرُ - كما تَبَدّى- إلى قيامِ فعلِ القولِ بِنَقْلِ الأفعالِ توطئةً لتمثيلِها، فلا عَجَبَ أنْ يَظهرَ فعلُ القولِ في هذا المجالِ ناقِلًا للأفكار مُعَبِّرًا عن الآراءِ أو قُلْ مُسْتَدِرًّا لها. وقد عَبَّرَ"ابنُ يعيشَ"عن شيءٍ مِن هذا حيثُ قالَ:"وقد يُجْرونَ القولَ مجرى الظنِّ، فيُعْمِلونَهُ عملَهُ. فإِذا دَخَلَ على المبتدأِ والخَبَرِ نَصَبَهُما، لأنَّ القولَ يَدخُلُ على جملةٍ فيتصَوَّرُها القلبُ، ويَتَرَجَّحُ عندَهُ، وذلك هو الظنُّ والاعتقاد، والعِبارة باللسانِ عنهُ هو القول، فَأَجْرَوْا العِبارةَ على حسبِ المُعَبَّرِ عنهُ."

(1) . أحمد بن حنبل، مسند أحمد، باقي مسند الأنصار، حديث بريدة الأسلمي.

(2) . انظر: العكبريّ، اللباب في علل البناء والإعراب: 1/ 252.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت