فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 72

ومثالُ هذا أَنَّك إذا كنتَ تُشاهدُ أنتَ وصَديقٌ لَكَ فِلْمًا، الأحداثُ فيهِ مُتَصارِعةٌ. فإنَّك - في أَحَدِ مَشاهِدِ الفِلمِ المُتَأَخِّرةِ مَثَلًا- قد تَوَدُّ سُؤالَ صديقِكَ عن المصيرِ الذي سيؤولُ إليهِ بَطَلُ الفِلْمِ، فتسأل:"أَتَقولُ البَطلَ مَيِّتًا نِهايةَ الفِلْمِ؟"، أو"أَتَقولُ أَنَّ البَطلَ مَيِّتٌ آخرَ الفِلْمِ؟"، أيْ:"أَتَظُنُّ أَنَّ البطلَ سيموتُ؟". فالفعلُ (قالَ) ههنا مُجْرىً مُجْرى الظنِّ. وهذا قد يُفْهِمُنا لِمَ كانَ إجراءُ القولِ مُجرى الظنِّ مَشْروطًا، عند عامَّةِ العَرَبِ، بِكَوْنِ فعلِ القولِ مستقبَلًا مَسوقًا ضمنَ استفهامٍ مُوَجَّهٍ لِمُخاطَب. فأنتَ إذا أردتَ أنْ تَعْرِفَ رأيَ مَنْ هو أمامَكَ، فلن تَجِدَ إلا الاستفهامَ وسيلةً لغويَّةً لطلبِ الفهم. قالَ ابنُ يعيش:"فأَمّا اشتِراطُ الاستفهامِ فلأنَّ بابَهُ أَنْ يَقَعَ مَحْكِيًّا، ولا يدخلُ في بابِ الظنِّ إلا مع الاستفهامِ لأنَّ الغالبَ أَنَّ الإنسانَ لا يُسْأَلُ عن قولِهِ إذْ ذاكَ ظاهِرٌ، إنَّما يُسأَلُ عن ما يَجُنُّهُ ويعتقِدُهُ لِخَفائِهِ. وأَمّا اشتِراطُ الخطابِ فلأنَّ الإنسانَ لا يُسأَلُ عن ظَنِّ غيرِهِ، إِنَّما يُسأَلُ عن ظَنِّ نفسِهِ" [1] .

ومِنْ هذا ما وَرَدَ في مسندِ أحمدَ، مِن حديثِ مِحْجَن بنِ الأَدْرَع، قالَ:"... ثُمَّ أَقْبَلْنا [2] ، حتّى إِذا كُنّا بِبابِ المَسْجِدِ، قالَ: إذا رَجُلٌ يُصَلّي، قالَ: أَتَقولُهُ صادِقًا؟ قالَ: يا نَبِيَّ اللهِ، هذا فلان، وهذا مِن أَحْسَنِ أهلِ المَدينة" [3] . وقَسيمُ هذا الحديثِ حديثُ بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ:"... قالَ: فَلَمّا كانَ مِن القابلةِ خَرَجَ بُرَيْدَةُ عِشاءً، فلقِيَهُ النبيُّ - صَلّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-، فأخَذَهُ بِيَدِهِ، فأَدْخَلَهُ المَسْجِدَ، فإِذا صوتُ الرجلِ يَقرأ، فقالَ النبيُّ - صَلّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-:"أَتَقولُهُ مُراءٍ [4] ؟ فقالَ بُرَيْدَةُ:

(1) . ابن يعيش، شرح المفصل: 7/ 79.

(2) . أي: مِحْجَن والنبيّ - صلى الله عليه وسلم-.

(3) . أحمد بن حنبل، مسند أحمد، أول مسند البصريين، حديث مِحْجَن بن الأدرع.

(4) . كذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت