فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 72

وبديهيٌّ أَنَّ القولَ قد يَستوْفي شروطَ إجرائِهِ مجرى الظنِّ، ومع هذا لا يُجرى مجراه [1] ، كقولِ مولانا الحقِّ - سبحانَهُ-: {أَمْ تَقولونَ إِنَّ إِبْراهيمَ وإسماعيلَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ والأسْباطَ كانوا هودًا أَوْ نَصارى} [2] . ولو كانَ جارِيًا مجراه لقالَ اللهُ - تَعالى جَدُّهُ-: (أَمْ تَقولونَ أَنَّ إِبْراهيمَ ... ) ، بفتح الهمزة في (أَنَّ) . ولكنَّهُ - جَلَّ- لم يَقُلْ، لأَنَّ هذا لم يَكُنْ مُجَرَّدَ ظنٍّ مِنهُم أو تَفكير، إِنَّما هو قولُهُم، واللهُ - تَقَدَّسَت أسماؤُهُ- ناقِلُهُ عنهُم. فإِجراء القولِ مجرى الظنِّ، إِذَن، مُتعلِّقٌ بالقصدِ والمَعنى أوَّلَ الأمرِ وآخرَهُ. فقد تجتمِعُ الشروطُ المَذكورةُ ولا تتوفَّرُ للناطقِ إرادةُ إجراءِ القولِ مجرى الظنِّ، لأنَّهُ في سبيلِهِ إلى نقلِ قولٍ مَحْكِيٍّ مُتَلَفَّظٍ بِهِ.

كما أَنَّهُ ليسَ مَعنى أَنَّ بَني سُلَيْمٍ يُجْرونَ القوْلَ مجرى الظنِّ مُطلَقًا،"أَنَّهُم يُجرونَ ذلِكَ مِنْ دونِ نَظَرٍ إِلى المَعْنى، بل لا يَنصِبونَ إِلا إِذا أَرادوا مَعنى الظنِّ، وقَصَدوا معنى الجملةِ، فإِنْ قَصَدوا التلَفُّظَ بِها لم يَكُنْ إِلا الرفع" [3] .

ومِن جِهَةٍ ثانيةٍ، ينبَغي التنبُّهُ إلى أمرٍ أحسبُ أَنَّهُ بالِغُ الدِّقَّةِ جَديرٌ بالتلبُّث. وهو أَنَّهُ ليس كلُّ مَوقِفٍ أو سِياقٍ صالِحًا لأَنْ تَرِدَ فيهِ بِنْيَةٌ على شاكِلةِ"أَتَقولُ زيدًا قادِمًا؟". إِذْ تَرِدُ بنيةُ الاستفهامِ هذه في المَوقِفِ الذي يَظْهَرُ فيهِ القائِلُ سائِلًا شخصًا أمامَه، أو عَلى اتِّصالٍ بِهِ، عن ظَنِّهِ. والسؤالُ عن الظنِّ ليس إلا سؤالًا عن الرأي. فإِنْ قُلْتَ لمُحَدِّثِكَ:"أَتقولُ زيدًا قادِمًا؟"، فهو بِمَعنى:"ما قولُك، أو ما رأيُك، أو ما ظَنُّكَ في زيد: هل سيأتي؟".

(1) . انظر: ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: ص 541.

(2) . البقرة 140:2.

(3) . فاضل صالح السامرائي، معاني النحو: 2/ 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت