الصفحة 1 من 14

مُخالَفَةُ القِياسِ اللُّغويِّ

في شِعْرِ الأَعْشَى

د. مُحمَّد شَفيق البَيْطَار

لعلَّ المَرْءَ لا يكون مجانبًا للصّوابِ إن ذَهَبَ إلى أنَّ (القياسَ) مبدأ عامٌّ في مختلِفِ وجوه الحياة وصنوفِ العلم، وأنّ الإنسانَ حين يلجأَ إلى (القياس) يُعْملُ فكرَهُ ليَجْرِيَ في فعلِهِ وقولِهِ على ما جَرَى عليه مَنْ يَقِيسُ فعلَهُ بفعلهِ وقولَهُ بقولهِ، ممَّنْ سَبقَهُ أو ممَّنْ يحيط به في مجتمعه.

والفَنَّان المبدع المبتدئ يقيسُ ما يُبدِعهُ بإِبداعِ مَنْ تقدَّمَه، ولذلكَ كانت حاجتُهُ إلى التّلمذة؛ والشّاعر فنّان مبدعٌ أداة إبداعِهِ هي اللّغة، وقد عُرِفَتْ تلمذةُ الشّعراء القدماء بعضِهِم على بعض منذُ الجاهليّة، وذلكَ بأن يكون المبتدئ روايةً لشاعرٍ سابق، يحفظ شعرَهُ ويتمثَّل فنّه وأدواتِهِ المختلفة، ويتأثَر بِهِ في لغته وتراكيبه وموضوعاته.

وقد تنّبه علماء العربية منذ القرن الأوَّل الهجريّ على أنّ هذه اللّغة محكومةٌ في ألفاظها وتراكيبها وشعرها ونثرها بقوانينَ جامعة مطَّردة ناظمة لها، فبدؤوا باستنباطهِا، وتلَقَّاها تلامذتُهم وتوسّعوا في الاستنباط، ولم يزل الاستنباط يتوسّع إلى أن نضجت مجموعةٌ من علوم العربية، منها النّحو والصّرف والبلاغة والعَروض والقوافي، وهي علوم تحتوي تلكَ القوانين والمقاييس؛ وتنبَّه أولئك العلماء أيضًا على أنَّ فيما وصل إليهم من كلام العرب ما يخرج على تلك القوانين المطّردة ويخالفُها، فدوَّنوا ذلك كلَّه في كتبهم.

ولذلك يُعَدُّ (القياس) أصلًا مِن أصول العربيّة، تناولته أقلامُ العلماءِ قديمًا وحديثًا في بحوث مفصّلة [1] ؛ ولعلَّ الأعشى كان أكثر شعراء الجاهليّة مخالفةً لتلك القواعد والأصول، ففي أثناء بحثي في كتب اللّغة والنّحو والصّرف وضرائر الشّعر ونحو ذلك لَفَتَ نظري كثرةُ استشهاد العلماء بشعره، وتنبِيهُهم على ما فيه من مخالفةٍ للقياس والقوانين المطّردة في كلام العرب وأشعارِها، فجمعتُ ذلكَ، وراجعتُهُ على ديوانِهِ، فظهرَت لي فيه أمورٌ أضفتها إلى ما سبق، فاجتمعت لديّ كثيرة، فرأيت أن أقدمَّها في هذه المقالات التي اعتمدت فيها على المنهج الوصفيّ،

(1) (1) ... مِنَ الكتب القديمة التي تناولت القياس وما جاءَ مخالفًا له: كتاب سيبويه، والخصائص لابن جني، ولُمَعُ الأدّلة لكمال الدين بن الأنباريّ، والاقتراح للسيوطيّ، والمزهر له، وضرائر الشعر لابن عصفور، وما يجوز للشاعر في الضرورة للقزّاز القيرواني. ومن الكتب الحديثة: السماع والقياس لأحمد تيمور، ودراسات في العربية وتاريخها لمحمد الخضر حسين، والقياس في اللغة العربية له، وفي أصول النحو لسعيد الأفغاني، والقياس لمنى إلياس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت