وقد استغل أعداء الإسلام التصوف حتى رأيناه وصل إلى حالته الراهنة القائمة على الرموز والإشارات، ورأينا تشجيع المستعمر لتلك الطرق التي طالما حاولت أن تطفئ جذوة الجهاد في نفوس المسلمين وأن تجعل من الإسلام دينا لاهوتيا يعيش في الزوايا والتكايا والأديرة بعيدا عن الحياة العامة؛ ولكن هيهات أن يفعلوا.
وبتحليل ديوان يوسف الثالث نلاحظ وجود كلمات تحمل إيحاءات صوفية؛ بل يوجد قصائد كاملة بها مصطلحات ورموز صوفية منها القصيدة التي قدّم لها بنفسه قائلا: صدر عنّا إشارة إلى التقلب في العناية الإلهية، وما ظهر من الألطاف الخفية:
الطويل
إلى الملأ الأعلى ترامت ركائبي ... إلى حيث كانت في العصور الذَّواهبِ
تقادَم ذاك العهدُ منها وإنه ... لأشرفُ أسبابي وأسنى رغائبي
وهل زادها التركيب إلا دلالة ... تدلُّ على ما استودِعتْ من عجائبِ
فجاء بها التطوير تُحفةَ قادم ... بِقيد امتحان في ترقّي المراتبِ
أرحتُ من التهجير في دوحة الرضى ... وصاَفحته بالراح عذبَ المشاربِ
حَنينًا إلى صوت بغير تَصوُّر ... هدانا امتنانا نحوَ قصد المخاطِبِ
فَيا لكَ من فَقد أقام وجُودَنا ... ووجْد هدانا بعد فَقد المطالبِ
وكم حالت الأحوالُ منا بِحالة ... نعمنا بها والنفس الأمُ طالبِ [2]
(1) - بروكلمان، كارل، تاريخ الأدب العربي، نقله إلى العربية، السيد يعقوب بكر، رمضان عبد التواب، ط 3، (القاهرة، دار المعارف، د. ت) ، 4/ 54
(2) - الثالث، يوسف، الديوان، ص 4