النقص فيها، إلا أنّها لن تبالي أوجدت في الفصيح بغيتها أم ركنت إلى المولّد، أو المعرب، أو الدخيل؟
و على كلّ فإنّ في اللغة المنطوقة يجب الارتفاع بها عن الألفاظ الوحشيّة الغريبة، و تلك التي تجاوزها التطور الصوتي مما يثقل النطق به، كما يمكن الاعتماد على الألفاظ التي ما زالت مستعملة في العامية مما بقي على فصاحته في لفظه ومعناه، أو في لفظه دون معناه مما جرت عليه سنن التغيير بتخصيص الدلالة، أو تعميمها، أو نحو ذلك مما يبقي الصلة بينه و بين الفصيح قائمة و لو على وجه بعيد، أمّا المولّد و المعرّب و الدخيل فإن كان في الفصيح ما يؤدي معناه فيجب إحياؤه، و الرجوع إليه، و إلا فلا ضيرَ في استعماله كما كان الحال في اللغة الفصحى.
أمّا رأيي الذي أؤمن به فإنّه من الصعب الاصطلاح على لغة واحدة لخطاب تتفق ـ مع اتساع رقعتها، و تباين مشاربها ـ في أصواتها، و بنيتها، و تراكيبها، و دلالاتها لتُظلّ كافّة أقطار العالم العربيّ، ثمّ وسمها بسمة الثبات الذي يعلها تستمرّ أجيالا بعد أجيال، ثبات لم يتحقق لأمها الفصحى مع ما حيطت به من عناية، و درس، و تدوين يجعلها أقرب ما تكون للثبات، ذلك؛ لأن اللغة المنطوقة سريعة التفلُّت من القيود، فهي كما قال الدكتور علي عبد الواحد وافي في كتابه [فقه اللغة 159] :"من سننها التطور، و التبدّل، و من طبيعتها أنْ تختلف في كلّ عصر عن الحالة التي كانت عليها في العصر السابق له، و لأنها لا تسير في تطورها هذا وفقا لإرادة الأفراد، أو تبعا للأهواء، و المصادفات، و إنّما تسير وفقا لنواميس ثابتة صارمة لا يستطيع الأفراد سبيلا إلى تعويقها، أو التغلب عليها، أو تغيير مجراها، نواميس لا تقل"