الصفحة 9 من 24

والملاحظ أنّ اشتراك الوظائف النحويّة في البعد الدلالي يتيح اشتراكًا آخر في الشرط الصرفي أو في التنوع البنيوي للوظيفة النحويّة، وأنّ التمايز الدلالي من جهة أخرى يؤدي إلى تمايز في الشرط الصرفي والتنوع البنيوي، وقد يبدو الأمر في ظاهره متناقضًا لكنّ شبكة العلاقات بين الوظائف بتنوّعاتها المختلفة وبمستوياتها المرتبّة ترتيبًا يراعي الأولويّة والتدرج تخلق نوعًا من الانسجام داخل بنية اللغة، بحيث يفرز التداخل والتمايز نتائج متوافقة نوعًا ما؛ فالحال، مثلًا، لشبهها بالخبر والنعت جاز فيها أنْ تتعّدد، وأن تأتي جملة، إلا أنّ جملة الحال لا تكون إلا خبريّة، خلافًا للخبر، وذلك"تغليبًا لشبهه بالنعت في كونه قيدًا مخصصًا على شبهه بالخبر في كونه محكومًا به؛ لأنّ الغرض من الإتيان بها تقييد عاملها" [1] وكذلك"التمييز"فهو نكرة لأنّه يشابه الحال في كونه يبيّن ما قبله، ولكنهّ جامد بخلاف الحال التي تأتي مشتقّة في الغالب؛ لأنّ التمييز مبيّن للذوات والحال مبيّنة للهيئات.

فالاشتراك يُدْخِل الوظيفة في نقطة تماس مع وظائف أخرى، والتمايز يحفظ لها منطقة خاصّة بها، وهكذا تدور الوظائف النحويّة في فضاء التركيب بين معايير تقربّها من نقطّة ما، وأخرى تبعدها عنها، وتنضبط المسألة، بعدئذ، بالموازنة بين المعايير المختلفة وترجيح بعضها على بعض، أو ترك المسألة مفتوحة لعدّة احتمالات يقبلها التركيب.

وكما أنّ الاشتراك في الشروط الصرفيّة بين الوظائف النحويّة يفتح باب الاحتمال والتعدد فإنّ عدم الاشتراك في ذلك يغلق هذا الباب تمامًا وإنْ كان هناك تداخل دلالي واضح بين وظيفة وأخرى؛ فالاشتراك الدلالي وحده لا يسوّغ القول بالتعدد والاحتمال، بل هو محتاج إلى ما يعضّده من معايير شكليّة كالإعراب والبنية الصرفيّة وبعض الشروط الموقعيّة والشكليّة الأخرى [2] .

ويبدو هذا الأمر واضحًا في وظيفة الحال التي تتداخل دلاليًّا مع وظائف شتى، ولكنّ هذا التداخل يتفاوت ويختلف؛ فإذا كان هناك ما يقوّيه من ضوابط نحويّة وشكليّة اعتمدها النّحاة في تحليلهم انفتح الباب للقول بتعدّد الإعراب وتداخل الوظائف، والتُفِتَ، حينئذ، إلى السياق لترجيح وجه على آخر، وهذا نهج معروف عند النّحاة، ويتّضح جدًّا في كتب إعراب القرآن وتفسيره، أمّا إذا كان التداخل بين

(1) 9. ... شرح الأشموني على ألفيّة ابن مالك 2/ 186.

(2) 10. ... ولعلّ هذا الأمر هو الذي قاد النّحاة إلى القول بالفرق بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى، انظر في ذلك: ابن جنّي: الخصائص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت