الأصوات بتردد عال في سطر شعري واحد أو سطرين شعريين متلاحقين مثل صوت"الشين"في السطر الشعري الأول"أفتش- الشك- شجيرة"، وصوت"السين"في السطر الشعري الذي يتوسط القصيدة تقريبًا"تمسح- السجان- السجن"، وتكرار هذين الصوتين أيضًا في مواضع أخرى من القصيدة مما يسهم كذلك في زيادة طاقة الأصوات التي تؤسس مجتمعة الشكل الإيقاعي للقصيدة.
دخلت القصيدة الحديثة- أبوابًا جديدة في سبيل توكيد حداثتها، وأفادت في ذلك كل من الفنون المجاورة واكتسبت شيئًا من تقنياتها ووظفتها بما ينسجم أولًا مع الطبيعة الشعرية للقصيدة وبما يعزز موقع الحداثة فيها ثانيا.
وأول الفنون التي تحركت عليها القصيدة هي القصّة وما فيها من تقنيات في القص والسرد والحكي والحوار والاستغراق في تصوير الجزئيات وكان السرد والحوار من أكثر هذه التقنيات حضورًا في القصيدة المعاصرة، وقد فرض السرد إيقاعه المحدد مثلما فرض الحوار إيقاعه المحدد أيضًا، وهناك افتراض شائع يقول"إن إيقاع أسلوب السرد ووصف الأمكنة لا بد أن يكون أكثر ميلًا إلى الهدوء والبطء من إيقاع أسلوب المحادثة أو الحوار الذي يميل إلى السرعة في الإيقاع لكونه يقوم على عنصر الحديث الذي يحمل أسئلة وإجابات."
بعبارة أخرى إن إيقاع السرد ينبع من ذات الفرد الكاتب وهو يسترسل بالوصف أو الحدث تبعًا لرغباته الخاصة، بينما يتألف إيقاع الحوار من المشاركة مع الآخر، أي أنه ليس ذاتيًا محضًا وثابتًا بل متغير لأنه لا ينبع من ذات واحدة. وهنا لا بد أن نشير إلى أن الحوار أسرع من السرد إذا كان الأسلوبان على درجة واحدة من الحالة النفسية، كأن يكون أسلوب السرد هادئًا وكذلك الحوار.
ولا شك في أن للسرعة الإيقاعية التي يتطلبها الحوار درجات أيضًا لأنها ترتبط أصلًا بنوع المحاورة، فإذا كان الحوار محتدمًا ثائرًا مليئًا بالانفعالات كان الإيقاع السريع أكثر بروزًا، وإذا كانت المحاور هادئة غير ميالة إلى العنف .. كانت أقرب إلى الإيقاع ذي السرعة غير الشديدة، ولكن إيقاع الحوار بكافة أنماطه"درجات الانفعال والحالة النفسية"يظل بنحو عام أكثر سرعة من حديث الفرد الواحد وهو يصف أو يتحدث عن حكاية" [1] ."
(1) دير الملاك: 321.