ولكي نبْعد أي تفكير في فرض معنى محدود للنّص الأدبي ولإضفاء صبغة علمية على البحث الأدبي فإنني أحبذ القول مع"بوريس اخنباوم"بأن العلم هو مجموعة من الأعطاب والأخطاء وليس مجالًا لتأكيد مجموعة من الحقائق، وهذه المقولة تنطبق أيضًا على التحليل الأدبي الذي يعتبر هو الآخر مجموعة من الأخطاء ونقاط القوة. بهذه الطريقة يمكن أن يكون هو الآخر حقلًا لنشاط بحثي آخر، أي يصير موضوع تحليل لنصّ آخر.
وكمحصلة يمكن القول إن التحليل هو بناء متلاحم من الملاحظات المؤسسة التي تستمدّ شرعيتها من النّص مباشرة وليس من حقل ثقافي أو علمي آخر، ومن هنا نستطيع أن نلاحظ أن كل محاولة للتحليل تهدف إلى الحصول على معنى واحد ووحيد للنّص تفتقد إلى التأسيس وتجهل حدود الأدب وطبيعته. وهذا يعني أنه لا يوجد للنص معنى نهائي، أي أنه يقبل قراءات متعدّدة. ويكون هدف كل قراءة هو محاولة للقبض على مستوى معين يفترضه المحلل مسبقًا ويعمل على رسم حدوده وتجلياته وينصبّ نشاط المحلّل على المستوى الأكثر بروزًا كيفما يفترضه المحلّل. وقد عرّف ميشال فوكو في كتابه"أركيولوجيا المعرفة"بقوله:"تعريف مستوى التحليل والعناصر الأكثر ملاءمة له يمكن بحثه من خلال المواد المستعملة والإشارات العددية والمراجع- الصريحة أو الضمنية- المتعلقة بالأحداث أو المؤسسات أو الممارسات، من خلال الألفاظ المستعملة وقواعد تركيبها وحقولها الدلالية وأيضًا بنية لصياغة القضايا وأنواع الارتباطات بينها" (ص 19) .
وتحديد مستوى التحليل يتضمن التركيز على العناصر الوظيفية في النص من خلال القرائن اللغوية والمعنوية ثم إعادة صياغتها صياغة نظرية لها دلالة نقدية.
1 -لطفي عبد البديع: التركيب اللغوي للأدب- القاهرة 70.
3 -رولان بارث: من أين نبدأ؟
ت/ محمد البكري. مجلة عيون المقالات- المغرب عدد 12/ 1989.