ومن خلال هذا يدعو هـ. بليث المحلّل إلى الاهتمام بالسياق الاجتماعي الذي أنتج النّص والأنماط السلوكية وأشكال الاستقبال أي كيف تتمّ قراءة نصّ معين ثم بعد ذلك البحث في الوسائل الفنية والتعبيرية التي استعملها الكاتب لعرض موضوعه.
"وأخيرًا على شارح النّص أن يأخذ بعين الاعتبار أن وجهة نظره الخاصة محددة هي الأخرى بالظروف التاريخية أي مرتبطة بالأحكام المسبقة والمقدمات الخاصة" (ص 19) .
وهذه المرحلة الأخيرة تريد من التحليل أن يكون قراءة حول النص وهذه القراءة ترتبط بموقف محدّد والظروف التاريخية والحضارية التي أنتجت فيها ومن هنا تتحدّد زاوية التناول من خلال دراسة النموذج الثقافي العام. وهذه الفكرة تتطابق مع ما طرحه"غريماس"بصدد المستوى الرّابع من القراءة واشتراطاتها:"القراءة مشروطة ... المقدرة النّصية لدى القارئ توجد منضوية ومشروطة بالبنية المعرفية التي تنسحب على وضع سوسيو-ثقافي محدّد" (القاموس: ص 207) .
ويرى بارت من خلال تطبيقه لمنهجه التحليلي على إحدى قصص أنوري دوبلزاك (قصة سارازين) "أن هذا النّص المثالي يشتمل على شبكات متعدّدة تتفاعل فيما بينها دون أن يكون لإحداها دور الهيمنة على الأخرى، ويمكن أن ندخل هذا النّص من بوابات مختلفة دون أن تكون إحداها معلنة هي الرئيسية" (ص 12 - S/Z) وبالتالي تعدّد المداخل وانفتاح الشبكات ولا نهائية اللغات""
(ص 11) .
فإذا كان النص المثالي (؟) يتحدّد بهذه الخاصيات فإنه من العسير تحديد بوابة واحدة بوثوقية والاطمئنان إليها أو إلى النتائج التي سيتوصل إليها- إن أمكن ذلك- المحلّل. ولهذا استحق التحليل صفة القراءة، لأن القراءة طريقة للفهم من بين غيرها من الممكنات.
وفي غياب منهاج نموذجي وموحّد لتحليل النصوص الأدبية، سواء بالنسبة لنوع معين أو لمجموع النّصوص فإن كل المداخل تكون ملائمة لمقاربة النّص الأدبي والتعامل معه شريطة اتساق المقدمات مع النتائج ومطابقتها لها، فلا نَبْدأ بمقدمات علْمية محدّدة وننتهي بنتائج نتحصل عليها من خلال أدوات معرفية مأخوذة من حقل علمي آخر، كأن نبدأ بمقدمة اجتماعية وننتهي بنتائج شكلية أو بنيوية. فالبداية هنا لا يحدّدها النّص الأدبي، وفي بعض الأحيان لا يقترحها كذلك، وإنّما يقدمها نص المحللّ.