نزلت هي"إقرأ"والقراءة لا تعني تفكيك الرّموز اللغوية للنّص الأدبي بل التدبّر في معانيه قصد فهمها ووعيها.
ويميز النقد الحديث بين نوعين من القراءة، أو مرحلتين من مراحل المقاربة النقدية.
فالقراءة الأولى هي القراءة الاستهلاكية، قراءة المتعة وهي التي يقوم بها الإنسان إرضاء لفضوله ولمتعته ولحسابه الخاصّ، أي لا تطلب منه أي مجهود فكري لتدبّر معاني النّص بقدر ما هي وسيلة لتزجية الوقت وملء الفراغ. وهذه القراءة لا تطرح أية أسئلة أو اعتراضات أو تأكيدات وهي العادة القرائية/ الثقافية التي تكتسب بالممارسة والمداومة. وطريقتها في تلقي النص الأدبي لا تخضع لمنهجية محدّدة، ويرى بارت في كتابه س/ ز S/Z أن"الذين يحبّون القصص الجميلة يبدأون بالنهاية وبعد ذلك يقرأون النص كاملًا من بدايته"
(ص 22) وهذا دليل على تأصيل هذه العادة الثقافية، لأن ما يختلف -حسب هذا الطرح- هو النهايات. أمّا البدايات والنص الكامل فتكاد تكون هي نفسها.
ويعرّفها برنار جيكال في كتابه"تفسير النصوص"بأن هذه القراءة الأولى هي مجرّد اتصال وتعارف بين النص والقارئ Prise de contact وذلك لإشباع بعض فضول القارئ (ص 25) وتعتبر رغبة دفينة في نفسية القارئ وحلمًا دافئًا بالوصول ذات يوم إلى نهاية فاصلة.
النوع الثاني من القراءة يتخذ شكلًا أكثر تنظيمًا وتدقيقًا، وهذا النوع يسميه لطفي عبد البديع"القراءة الناقدة التي يعتدّ بها قراءة من شأنها أن تضفي على الأثر الأدبي قيمة كانت محجوبة من قبل عن الأنظار، وإذا كانت هذه القيمة تتمثل في شيء فإنما تتمثل في تجاوز المعنى الحرفي إلى المعنى الكلّي للتركيب" (ص 138) .
ويمثل هذا النوع من القراءة المستوى الثالث من مستويات القراءة كما حدّدها غريماس في قاموسه حيث يقول:"إن فعل التلقي والتفسير من طرف القارئ-متقبل التلفظ- ويأتي في شكل إجراءات تحليلية يقدمها بغرض إعادة بناء المعنى المرسل بواسطة الدّال. وفي هذا المنظور فإننا نعني بالقراءة البناء الدلالي والتركيبي نفسه للموضوع السيميائي الذي يتناول النصّ- الرمز" (ص 207) .
وهذا التحديد لشكل القراءة/ البناء كما يقول غريماس. وتودوروف لا يحدّد مع ذلك البداية، التي يمكن أن تكون منطلقًا في عمل المحلّل بل يراها بناء جديدًا- إعادة بناء Reconstruction- له تراكيبه ودلالته الخاصة في محاولة