حتفه وأورد نفسه مهلكة كان يمكنه النأي عنها فإن كان جاهلا بحال هذا المرتد - وهو الغالب في الناس - فإنه كحال من أكره وهم كما قال شيخ الإسلام يبعثون على نياتهم، وأما إن كان عارفا بحاله ومطلعا لحربه للإسلام وجاء محتفيا به مرحبا بقدومه فهذا لا شبهة في قتله، وليس الحفاظ عليه واتقاء دمه بأولى وأحق من الحفاظ على دماء الشباب الذين يعلقون على أعواد المشانق أو يقتَّلون في مسالخ الزنازين.
وقد ذكر الله حال بعض المسلمين الذين بقوا في مكة طوعا مع قدرتهم على الهجرة فأخرجهم الكفار معهم في غزوة بدر وقتلوا على أيدي المسلمين حتى داخل الصحابة الشك في شأنهم وقالوا قتلنا إخواننا فأنزل الله تعالى آيات تبين أن لا عذر لهم في البقاء بين أظهر الكافرين وأن حجتهم بدعوى الاستضعاف داحضة وشبهتهم واهية فقال سبحانه: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله غفورا رحيما} .
قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية: ( {إن الذين توفاهم الملائكة} : إن الذين تقبض أرواحهم الملائكة؛ ظالمي أنفسهم يعني: مكسبي أنفسهم غضب الله وسخطه، وقد بينا معنى الظلم فيما مضى قبل؛ {قالوا: فيم كنتم} ، يقول قالت الملائكة لهم: فيم كنتم؟ في أي شيء كنتم من دينكم؟ {قالوا: كنا مستضعفين في الأرض} ، يعني: قال الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم: كنا مستضعفين في الأرض، يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا بكثرة عددهم وقوتهم فيمنعونا من الإيمان بالله واتباع رسوله؛ معذرة ضعيفة وحجة واهية، قالوا: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟} ، يقول: فتخرجوا من أرضكم ودوركم وتفارقوا من يمنعكم بها من الإيمان بالله واتباع رسوله إلى الأرض التي يمنعكم أهلها من سلطان أهل الشرك بالله، فتوحدوا الله فيها وتعبدوه وتتبعوا نبيه، يقول الله جل ثناؤه {فأولئك مأواهم جهنم} أي: فهؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم، الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم مأواهم جهنم، يقول: مصيرهم في الآخرة جهنم، وهي مسكنهم، وساءت مصيرا، يعني وساءت جهنم لأهلها الذين صاروا إليها مصيرا ومسكنا ومأوى، ثم استثنى جل ثناؤه المستضعفين الذين استضعفهم المشركون من الرجال والنساء والولدان، وهم العجزة عن الهجرة بالعسرة وقلة الحيلة وسوء البصر والمعرفة بالطريق من أرضهم أرض الشرك إلى أرض الإسلام من القوم الذين أخبر جل ثناؤه أن مأواهم جهنم، أن تكون جهنم مأواهم للعذر الذي هم فيه على ما بينه تعالى ... يقول الله جل ثناؤه {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} يعني: هؤلاء المستضعفين يقول: لعل الله أن يعفو عنهم للعذر الذي هم فيه وهم