ولعل شدة الإقبال والاهتمام بنظرية التناص توازي شدة العزوف عن محيط النص وحقول تكونه وإنتاجه الذي قادته الشكلانية الروسية، لذلك اجتهد كثير من النقاد والدارسين في البحث والتطبيق والدراسة مما ولّدَ تضخمًا معرفيًا حول مفهوم التناص بدءًا بالمصطلح ومرورًا بالآليات والأشكال والقوانين ورغم ذلك فما زال التناص يعاني من عدم استقرار منهجي يمكن أن يعزى إلى عاملين، الأول: عدم اكتمال التنظير الكافي لفلسفة التناص مما أدى إلى تشعب المفهوم وتداخله مع مجالات بحثية أخرى.
الثاني: إن المدة التي نشأت وتكونت فيها نظرية التناص ما تزال غير كافية لبلورة المفهوم وصياغته صياغة محكمة.
ورغم حداثة دراسة التناص في النقد العربي الحديث إلا أننا يمكن أن نجد بعض ممارساته النصية في النقد العربي القديم في مجالات عديدة مثل السرقة الشعرية والمعارضات والنقائض والأخذ والاحتذاء والاقتباس والتضمين وغيرها، إلا أن هذه المفاهيم ظلت تدرس ضمن حدود بلاغية شكلية وبسيطة لم ترق إلى أن تكون نظرية شاملة بالرغم من وجود الوعي النقدي بحتمية التداخل والتعالق النصي بين النصوص.
وعندما تعرف الباحثون العرب على هذه النظرية حديثًا اخذوا أصولها الأولى عن طريق الدراسات الغربية المترجمة وحاولوا تطبيقها على نماذج من الأدب العربي على الرغم من أن بعض هذه الدراسات الغربية بالغت في تصوير حدود التناص عندما جعلته قانونًا للنصوص جميعًا، حيث أطلق مفهوم لا نص بدون تناص، وإن كل ما يكتبه المنشئ لابدَّ أن يكون مأخوذًا عن مادة سابقة.