الصفحة 4 من 7

غالبا في الواقع اليومي، عندما نقتطع الكلمات من سياقها اللغوي وغير اللغوي الذي قيلت فيه، لندخلها في علاقة حوارية جديدة بكلمات محيطة أخرى، سرعان ما تضفي عليها دلالة جديدة مغايرة. وتتوقف كذلك على الصبغة الصوتية الخاصة بالمتكلم - والخاضعة لمستويات عديدة من الاستلاب والامتلاك - التي يخلعها على كلام شخص آخر، فعندما نذكر كلمات شخص آخر في خطاب مباشر، فإن هذا يفترض أننا نعطيه الكلمة بشكل كامل، مما يتطلب إعادة تصوير السياق الذي جرى فيه القول بطريقة لا يمكن الوفاء بها مطلقا، فالمتكلم - إذن - لا يستطيع أن يتبخر نهائيا ويلغي وجوده وموقفه ليضع مكانه الشخص صاحب الحديث.

أما الخطاب غير المباشر: فهو الذي يتولد عند امتصاص خطاب الآخر وأدائه بطريقة غير حرفية؛ مما يتطلب تحويل أزمنته الفعلية، وتعديل ضمائره وإشاراته كي تتسق في اتجاهاتها وإحالاتها، الأمر الذي يجعله مختلفا عن الخطاب المباشر؛ إذ يقوم القائل هنا بإعادة صياغة الكلام الذي ينقله متوخيا الدقة في نقله حينا، أو إيجازه واقتطاع بعض أجزائه حينا آخر، ومستخدما كلماته هو يؤدي بها ما قاله المتكلم المنقول عنه. عندئذ تصبح الإشارات والأزمنة والضمائر

التي اختارها المتكلم - للوهلة الأولى - أقل موضوعية وحيادا عادة من الخطاب المباشر، وعندئذ فإن (فاعل الخطاب) يدخل نفسه في الشخصية التي تتكلم ويتحدث من خلالها كأنها قناع له، مما يكشف عن تراوح القول بين المنظور الخارجي واتخاذ موقف الشخصية المنقول عنها، الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى نوع من التداخل بين الفواعل.

ويشير إلى ما سماه تعدد الفواعل الذي لا يشترط أن يكون تعدد الأصوات في الخطاب، بل يتجلى في بعض الأبنية القولية التي تسمح بإدخال متحدث آخر في النص ذاته بشكل غير مباشر، لكي تعمد بعد ذلك إلى رفضه أو تأييده. وذلك مثل القول الذي يتكئ على النفي؛ إذ يتضمن مقولة الإثبات ويشير إليها أيضا.

فعندما نقول: «أحمد ليس صغيرا، بل العكس من ذلك، إنه كبير وناضج» ، فالمقولة التي نقدمها لا تعني أن أحمد ليس صغيرا فحسب، بل تتضمن المقولة العكسية أيضا. ومعنى هذا أن النفي يدل على تعدد الأصوات؛ إذ يسمح للمتكلم بالتعبير المتزامن عن الصوتين المتقابلين؛ الصوت الذي يتبنى جانب الإثبات وصوت المتكلم المتبني للنفي، فالنفي يشير إلى إثبات ضمني ويرد عليه، مما يجعله تجليا واضحا لتعدد الأصوات في الخطاب. ومثله في ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت