بارث على حق عندما ندد بهذه المخاطر المرتبطة بالتقرير الذي قد ينظر إليه على أنه"حقيقة اللغة". وهو على حق أيضا عندما يردد بقوة المهوس بأن المهمة العاجلة والنبيلة هي فضح التطبيع الثقافي أينما كان و كيفما كانت أشكاله.
وينبغي إبراز الطابع الاعتباطي لأنساق التمثيل وفصل النظام اللغوي عن النظام المرجعي، وقول وتبيان أن الخطاب لا يمكنه لأسباب تكوينية، أن يكون نظيرا تاما للواقع. فالكرونولوجيا النصية لا يمكنها أن تطابق الكرونولوجيا المرجعية، ومرد ذلك إلى أن كل ما يعود إلى اللغة يتم وفق المحورالتتابعي، في حين يحتوي الواقع على وحدات تزامنية أيضا، وأن الأسنن اللسانية مرغمة، رغم كل شيء، على اختراع ذرائع متنوعة للتعبير، من خلال أساليب غير مباشرة، عن معطيات مرجعية لا تستطيع إعادة إنتاجها كما هي.
-إن لغات الإيحاء، من هذه الزاوية، لا يهددها نفس الخطر. ذلك أنها بمجرد ما تتحول إلى معيار وعادة، تدخل في دائرة اللغة التقريرية. والحال أن العادة هي المسؤولة عن هذا التطبيع المسرف. فهي التي تحول الثقافي إلى طبيعي، أي تحول الضرورة، (ضرورة تسمية القط قطا) إلى إيهام تعليلي (فأن نسند مرات متعددة هذا الدال إلى هذا المدلول يؤدي إلى منح هذا الترابط طابعا منطقيا وطبيعيا) (21) ، وهذه العادة هي التي تغطي على المواضعة. (22) . وضد هذا التكييف الذي يجنح إلى تحويل اللغة التقريرية إلى لغة طبيعية، يقوم الإيحاء بإجراءتكييف مضاد.
ولن يدفعنا هذا، مع ذلك، إلى القول بأن الإيحاء (ومجاله التعبيري الأدب) يشتغل بطريقة منافية للإيديولوجيا، بل يشتغل بطريقة منافية لأسنن التمثيل، وهذا شيء من طبيعة أخرى. ذلك أن الإيديولوجيا، وهي في تصورنا شكل من أشكال المضمون، مستقلة نسبيا عن أشكال التعبير التي تحققها. ويبدو لنا الحديث عن التخريب"الإيديولوجي"في مجال"الكتابات"الإيحائية التي يهتم بها ميتز وبارث (23) إفراطا في استعمال الإيدلوجيا كيفما اتفق.
كل هذا يذكرنا بالصراع بين الطلائعيين والأكاديميين. ففي مقدمة Sade, Fourier, Lyola يقدم بارث ثلاثة أنماط لتخريب الإيديولوجيا السائدة: اللاخطاب (يجب ألا نتكلم، ألا نكتب، علينا أن نناضل) ، الخطاب المضاد (لننشئ خطابات ضد الثقافة السائدة) ، وفي الأخير سرقة /اغتصاب الدال. إنها الاستراتيجية الفعالة الوحيدة في نظره. > إن الرد الوحيد الممكن لا يكمن في المواجهة، ولا في التدمير، ولكن فقط في السرقة: في تجزيء النص القديم للثقافة والعلم والأدب، وبعثرته في صيغ لن يتم التعرف عليها لاحقا، تماما كما نُنَكِّر بضاعة مسروقة. ففي مواجهة النص القديم، أحاول محو الإزدهار المزيف الاجتماعي أو التاريخي أوالذاتي للتحديدات والرؤى والإسقاطات. إنني استمع إلى حدة الإرسالية وليس إلى الإرسالية، وأرى في العمل الأدبي انتشارا ثلاثيا للنص الدال، النص الإرهابي، تاركا المجال للمعنى العادي لكي ينفصل كما لو أنه جلد قذر، والخطاب القمعي (الليبرالي) الذي يحاول دائما تغطيته.
إن التدخل الاجتماعي لنص ما (الذي لا يتم بالضرورة لحظة ظهور هذا النص) لا يقاس لا بشعبيته ولا بصدق الانعكاس الاجتماعي الاقتصادي الذي يندرج ضمنه، ليلتقطه بعض السوسيولوجيين المتعطشين له، بل يقاس بالعنف الذي يمكنه من تجاوزالقوانين التي يؤسسها المجتمع والإيديولوجيا والفلسفة للتطابق معها في لحظة تاريخية رائعة ومعقولة. إن هذا التجاوز له