وفي تعليقه في هامش ترجمة الأبيات السابقة ينوه بولك إلى عدة نقاط هامة تساعد القارئ في تعميق فهمه للأبيات؛ حيث يذكر مثلًا أن الشاعر وقد كان على الأغلب، مثل كل البدو أو معظمهم في العصر الجاهلي، أميًا لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك فهو يشبه السيول، وهي تجلو الطلول وتبينها، بالأقلام التي تعيد رسم الخطوط الباهتة في الصحف، وقد لفت هذا الأمر انتباه المترجم بولك إلى قضية هامة وهي أن العرب الأوائل كانوا على دراية ومعرفة وثيقة بالكتابة والأقلام والحبر وما يتبع كل ذلك من أدوات لأن الشاعر لا يذكر عادة شيئًا بعيدًا عن فهم من يستمع إلى شعره ويتجنب ما هو غير مألوف عند قومه.
وفي هامش البيت الثاني من الأبيات السابقة يتحدث بولك عن عادة الوشم التي درجت عليها النساء في العصر الجاهلي، ويصف بدقة أماكن الوشم المعتادة في الجسد، ويذكر أن نساءً من الغجر كنّ من يقمن بتقديم خدمات الوشم للسيدات، كما يصف المترجم بولك طريقة الوشم والأدوات المستخدمة للقيام به. أما في حاشية البيت الثالث فهو يذكر أن للأحجار قيمة معنوية عندالعرب القدماء؛ حيث أنهم كانوا يصنعون الأوثان منها قبل الإسلام و هي تشكل الجزء الأكبر من الأطلال التي يقف عليها الشاعر العربي في بدايات قصائده، وينوه إلى أن الإسلام قد نزع تلك القيمة الروحية عن الأحجار باستثناء حجر واحد هو الحجر الأسود الموجود في الكعبة حتى اليوم.
إذًا لا يترك بولك وسيلة تقرب المعاني والصور والأفكار في الأبيات إلا ويضعها بين يدي القارئ في سبيل الوصول به إلى تذوق النواحي الإبداعية والتأثر بها تأثرًا ناتجًا عن الفهم الدقيق للمعاني والأفكار الظاهرة، وما وراءها من ثقافة وعادات وتقاليد.