فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 175

والأبيات الشعرية ويقرر إذا ما كان تأثره مناسب ومماثل لتأثر مجموع أو غالبية القراء الذين قرؤوا نفس الأبيات. إنها بلا شك مهمة أقرب إلى المستحيلة، ولهذا يكتفي المترجم غالبًا بنقل الأثر النفسي الذي شعر به هو في محاولته"لإحداث تأثير في المتلقي مساوٍ لما يحدثه النص الأصلي في قارئه أو سامعه." [1]

وهنا لا بد من الإشارة مجددًا أن المترجم ينبغي أن يضع في الحسبان الاختلاف الثقافي بين اللغات وأن الأثر الذي قد يتركه مجاز بلاغي أو تشبيه ما، أو لفظ ذو شجون أو دلالة مهمة في اللغة الأصل قد لا يترك ذات الأثر عند نقله إلى لغة أخرى لافتقاده تلك الخاصية مما يؤدي إلى ضعف التأثير أو انعدامه. فمثلًا نلاحظ أن الشعر العربي القديم يحتفي بالصحراء احتفاء الانسان بوطنه وجذوره، و يتغنى بما تمده به من سكينة ووقار وقوة عدا عن الانطلاق الرحب والحرية المطلقة. إنها الصحراء التي لا تكاد تخلو من وصفها قصيدة عربية كلاسيكية. فإذا ما ترجمت هذه القصائد فماذا سيكون أثر ذلك في نفس المتلقي الأجنبي؟ هل تراه سيفهم العمق النفسي والاجتماعي والبيئي الذي تتركه الصحراء عند أبنائها وأهلها؟ وما العمل في هذه الحالة، هل على المترجم أن يتصرف فيغير الصحراء إلى غابة صنوبر أو إلى سهل مزركش بالأزهار والرياحين؟ أم هل عليه أن يحترم الصور والمعاني الأصلية الأصيلة ويقدم لترجمته بمقدمة توضيحية، أو بإضافة الحواشي التي تشرح وتبين ما قد يبدو غريبًا ومستهجنًا لدى القارئ الذي يجهل السياق والتأويل والإيحاءات التي تزخر بها الكلمات والتعابير والصور والخيال؟

وأعود مجددًا إإلى المترجم الأمريكي ويليام بولك الذي اختار الطريقة الثانية عندما أُخِذ بجمال وصف لبيد بن ربيعة للصحراء وماتضمه من مشاهد، وخاصة عندما وجد الصحراء تحتل مكانة بارزة في الشعر العربي القديم، فقرر أن يترجم معلقة لبيد للإنكليزية، فقام بالتعليق والتوضيح لكل لقطة تصويرية وكل وصف جذل لحياة الصحراء، ولكل استعارة وكل تشبيه صحراوي المنشأ بدوي الملامح عربي الأصالة. وقد حقق في ترجمته غرضين الأول هو نقل تلك المعلقة الخالدة إلى اللغة الإنكليزية ليستمتع بها كل من قرأها ويتعرف على الوجه الحقيقي للعربي الفارس النبيل والعاشق الراقي، والثاني هو الإثبات، فيما يشبه الدراسة الأكاديمية، أن وصف لبيد للصحراء كان في منتهى الدقة والسلامة ويدل على شدة ذكاء الشاعر العربي وحصافته ودقة ملاحظته عدا عن براعته اللغوية وإبداعه الفني. وقد حقق بولك ذلك عندما اجتاز

(1) محمد، فوزي عطية، علم الترجمة مدخل لغوي. القاهرة: دار الثقافة الجديدة 1986 ص 160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت