ليس لي اعتراض على تعريف النفي الذي جاء في هذا النص ولكن اعتراضي على قوله: النفي من العوارض المهمة التي تعرض لبناء الجملة"إذ إنه قول يوحي بأن النفي ليس أصلًا أو توليدًا وإنما هو فرع وتحويل، ويستنتج من قوله هذا أن الأصل في بناء الجملة هو الإثبات، وليس ذلك بحق بل الحق هو أن كلًا من الإثبات والنفي يمكن أن يكون أصلًا وفرعًا."
فإذا كان الكلام المثبت توليدًا فالإثبات أصل ومن ثم يمكن أن يحول إلى كلام منفي وحينئذ يكون النفي عارضًا أو تحويلًا، وإذا كان الكلام المنفي توليدًا فالنفي أصل، ومن ثم يمكن أن يحول إلى كلام مثبت وحينئذ يكون الإثبات عارضًا أو تحويلًا. بل في كثير من الأحيان يكون كل من الإثبات والنفي أصلًا بحيث يمتنع أحدهما أن يتحول إلى الآخر وذلك حين يكون الكلام المثبت أو المنفي حقيقة من الحقائق كما هو الشأن في كثير من آيات القرآن مثل قوله تعالى في الإثبات: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} ومثل قوله تعالى في النفي: {لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} .
وقد وقع الدكتور كاطع في هذا الخطأ وهو يناقش الدكتور حماسة حين ذهب الأخير إلى أن ثمة علاقة بين مكان أداة النفي في الجملة الاسمية والمعنى الذي تؤديه، فالنفي يتجه في حقيقته إلى المسند، وأما المسند إليه فلا ينفى، ولذلك يمكن في الجملة الاسمية أن يتصدر النفي الجملة فيدخل على المبتدأ أو الخبر معًا، ويمكن أن يتصدر الخبر فحسب بوصفه المسند، وذلك إذا كان الخبر جملة وتكون الجملة المنفية خبرًا عن المبتدأ مثل قوله تعالى: {وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} فالجملة الكبرى هنا مثبتة، لأن النفي لم يتصدر الجملة كلها، ولكنه دخل على عنصر مكون منها هو الخبر، {لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ، فعدم هدايته للقوم الظالمين مخبر به عن المبتدأ"الله"، وهو ثابت له وقد أخبر عن المبتدأ بجملة فعلية [1] .
يعلق الدكتور كاطع أولًا على كلام الدكتور حماسة الذي ذهب فيه إلى أن النفي يتجه في حقيقته إلى المسند وأما المسند إليه فلا ينفي- يعلق على ذلك بقوله:"ربما قاد النظر في المسألة إلى غير ما ذهب إليه الدكتور حماسة، لأن في النفي احتمالين:"
(1) المرجع السابق، ص 280.