الصفحة 7 من 13

وقال الصابوني معلقًا:"لله تعالى جهة العلو المطلق، فهو تعالى فوق عرشه وعرشه قد أحاط بالسماوات والأرض، وإذا كان الكرسي وهو أصغر من العرش، قد أحاط بالكون وبالسماء والأرض"وسع كرسيه السماوات والأرض"فكيف بالعرش؟! فنجنح في مثل هذا إلى التفويض والتسليم، كما هو مذهب السلف"لأن تحديد الجهة من صفات الأجسام وهي مستحيلة عليه تعالى، لأنه لو كان في مكان للزم أن يكون المكان أقوى منه، لأنه حامل له واللازم باطل، وعليه فإن دلالة"في"إما على المجاز وهو تأويل وإما اللجوء إلى التسليم والتفويض، إلا أن المجاز تعطيل لدلالة اللغة وخاصة إذا كان بدون قرينة تدل على ذلك، وعليه، فإننا نثبت له ما أثبته لنفسه تعالى دون تمثيل أو تكييف، وعليه لا ننكر قول من قال: إن الله في السماء لأن اللفظ جاء به الكتاب" (56) ."

فقد وصف نفسه سبحانه وتعالى، بأنه فوق كل شيء لا على معنى المسافة والمساحة، وذلك أن كل ما كان فوق شيء على معنى المساحة والتمكن فيه والعلو عليه، كان دونه شيء وهو ما عليه من المكان، فقد قال -صلى الله عليه وسلم:"أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء"، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء ..." (57) وهذا الخبر يثبت تنزيهه تعالى عن المكان والزمان، ويفهم منه عدم إحاطة العقول بذاته الشريفة، لأنه يستحيل في حقه، وعليه يكون مذهب التفويض والتسليم اسلم والله أعلم."

ومن الظواهر اللغوية التي لها أثرها في التأويل ما يسمى"بحروف النسق"وأم هذا الباب"الواو"لكثرة مجالها فيه، وهي مشتركة في الإعراب والحكم ونعالجها كعلامة دلالية من خلال السياق الذي ترد فيه، كما أننا نريد أن نبين أثرها في التأويل عند علماء الكلام، وخاصة عند الأشعرية والمعتزلة، وذلك من خلال عرض مناقشة للمدرستين معتمدين في ذلك على بعض النصوص منها قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ، فَأُوْلئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ المَوْتُ قَالَ إِنَّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (( 58) ، فالنص ينفي التوبة عن الذين يصرون على الذنوب إلى الوقت الذي لا تقبل فيه توبتهم وهو معاينتهم للموت، وهذا يعني أن من مات على غير توبة مخلد في النار، لأن: الذين يعملون السيئات، معطوف على الذين يموتون وهم كفار، وهو ما اعتمد عليه الزمخشري قائلًا: ولا يموتون وهم كفار عطف على الذين سوَّفوا توبتهم إلى حضرة الموت وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم" (59) ، وبهذا العطف فإن مرتكب الكبيرة مخلد في النار عند الزمخشري إذا مات على غير توبة."

فموضع"الذين"جر بالعطف على قوله:"وليست التوبة للذين يعلمون السيئات ولا الذين يموتون وهم كفار" (60) ، وهذا الإعراب يؤيد مذهب الزمخشري.

أما الأشعرية فإنهم نظروا إلى النص في إطار سياقه العام، قال الكلبي:"فإن كانوا كفارًا فهم مخلدون في النار بإجماع، وإن كانوا مسلمين فهم في مشيئة الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم" (61) ، وقد عرض الإمام الرازي إلى تفسير هذه الآية في رده على الوعيد به بعد أن ذكر حجتهم فقال:"... فعطف الذين يعلمون السيئات على الذين يموتون وهم كفار، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه، فثبت أن الطائفة الأولى ليسوا من الكفار، ثم إنه تعالى قال في حق الكل: (أُولَئِكَ أعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًَا (، فهذا يقتضي شمول هذا الوعيد للكفار والفساق، ثم أخبر تعالى أنه لا توبة لهم عند المعاينة فلو كان يغفر لهم مع ترك التوبة لم يكن لهذا الإعلام معنى"(62) ويقتضي هذا التأويل عند المعتزلة أن من مات بدون توبة يخلد في النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت