في السماوات وفي الأرض أو يكون المراد"من السماء"هو الملك الموكل بالعذاب وهو جبريل عليه السلام، والمعنى أن يخسف بهم الأرض بأمر الله وإذنه" (47) ."
ومن الأدلة التي يعتمد عليها لرد هذا التأويل الذي ذهب إليه الرازي، أنه قال:"من في السماء"وهي للعاقل، وحملها على الملك أو العذاب هو إخراج للفظ عن ظاهره بلا قرينة تستدعي ذلك، بل إن هناك مجموعة من القرائن تدل على إثبات العلو لله تعالى منها قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ ... (( 48) فهو صريح أيضًا في صعود أقوال العباد وأعمالهم إليه يصعد بها الملائكة.
وأخبر موسى فرعون الطاغية بأن إلهه في السماء، فأراد فرعون أن يلتمس الأسباب للوصول إليه تمويهًا بها على قومه، فأمر وزيره هامان أن يبني له الصرح ثم عقب على ذلك بقوله:"وإني لأظنه كاذبا" (49) أي موسى كاذبًا فيما أخبر به من كون إلهه في السماء،"وعليه فيكون من أنكر أن يكون الله في السماء كينونة هو أعلم بها، شبه فرعون في تكذيبه لموسى في كون إلهه في السماء، وعليه تكون الدلالة في الآية المركزية أن"في"بمعنى"على"حتى لا يجوز أن يفهم أن السماء ظرف له سبحانه وتعالى، فيكون سبحانه في أعلى علو، وهذا أيضًا تأويل للذين يعارضون التأويل" (50) قوله تعالى لعيسى عليه السلام:"يَا عِيسَى إنّي مُتَوَفِيّكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ" (51) وقوله تعالى: (بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ (( 52) .
فظاهر هذه الآيات يدل على علوه تعالى، وارتفاعه فوق العرش، وهي ترد على المعطلين، ففي"إلي"الضمير يعود على الرب سبحانه وتعالى، إلا أن هذه القرينة قد أولت هي الأخرى والمراد بها: رافعك إلى رحمتي أو إلى حيث ملائكتي، وهناك من قال:"إذا قال"إن الله تعالى في السماء، يريد بذلك أنه فوقها من طريق الصفة لا من طريق الجهة (53) ومن ذلك ما روي في الخبر، أن جارية عرضت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم -ممن أريد عتقها في الكفارة، فقال لها عليه الصلاة والسلام:"أين الله؟ فأشارت إلى السماء، فقال عليه السلام: اعتقها فإنها مؤمنة" (54) .
ويفهم من هذا، تجوز الإشارة إلى العلو والرد على من نفاها وتأول، وفيه أيضًا جواز الاستفهام عن الله"بأين"التي تقتضي دلالتها تحديد الجهة في اللغة، إلا أن دلالة بعض الألفاظ في القرآن الكريم تنقل من المواضعة اللغوية إلى الاصطلاح الشرعي أو العقدي عن طريق التأويل، ويعتمد في النقل الدلالي للفظ على آليات تحويلية في النصوص ذاتها، وهي قائمة على علم البحث اللغوي ونظام الدلالة اللفظية من مجالها العرفي إلى مجالها الاستدلالي العقلي، أي أنها تحولت إلى نظام من العلامات غير اللغوية، فتحولت إلى علامات ودلالات معقولة، فكلمة"أين الله"مع استحالة كونه في مكان، فاستحالة المكان بالنسبة للفظ"أين"في حق الله يعتبر نقلًا من المواضعة إلى الاستدلال العقلي العقائدي وفي كلام العرب مما يقابلها أيضًا أنهم استعملوها عن مكان مسؤول عنه في غير هذا المعنى الأصلي توسعًا وتشبيهًا لها بما وضع لها، فيقولون: أين فلان من فلان؟ وليس يريدون الرتبة والمنزلة، وكذلك يقولون: لفلان عند فلان مكانة ومنزلة، ويريدون من ذلك المرتبة في التقريب والإكرام، ويقولون: فلان في السماء أي هو عظيم الشأن رفيع المقدار.
وتكون دلالة"أين"بهذا الاعتبار على المجاز، وقال الإمام أبو يحيى زكريا الأنصاري، في هذه الآية:"من في السماء":"إن قلت كيف"من في السماء"مع أنه تعالى ليس فيها ولا في غيرها بل هو تعالى وتنزه عن كل مكان؟! قلت: المعنى بملكوته في السماء، التي هي مسكن ملائكته، ومحل عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ ومنه تنزل أقضيته وكتبه" (55)