وتعتبر ظاهرة الإبدال التي رأيناها في القرآن الكريم ظاهرة مخالفة لمعيارية اللغة، لأن هذه المعايير حددت على أساس نصوص مختارة من الشعر والنثر، وهذا يعني من الوجهة النظرية أنه لا بد من وجود فروق بين النظام اللغوي"المعيار"وظواهر الاستعمال اللغوي، فإذا كان المجاز هو كسر العلاقة العرفية بين اللفظ والمعنى الذي وضع له في الأصل،"فإن ظاهرة إبدال الحروف كسر هو الآخر للعلاقة التي بين الحرف والمعنى الذي وضع له في أصل كلامهم، إلا أن النحاة القدامى أطلقوا على هذه الظاهرة مصطلح"الاتساع"وهو من سنن كلامهم، وبالتالي لا يخرج عن معيارية اللغة، والاتساع ينتج عن تبادل الوظائف النحوية، ويعد ذلك عندهم من الرخص الكلامية، مقابلة للرخصة عند الفقهاء، وقد أعطاه النحاة مصطلح التضمين وهو ما يقابل مصطلح"الاتساع"عند البلاغيين" (42) .
فحروف الجر التي يحل بعضها محل بعض قد تغير دلالة التركيب، وقد يبقى المعنى على ما هو عليه في الأصل، والحكم تحدده مقتضيات السياق وقد أطلق المحدثون عليها:"تبادل الوظائف الدلالية"وهذه ظاهرة عامة في الاستخدام العربي وهو نوع من أنواع إبداع اللغة وواحدة من صورها، وهي أيضًا من الوظائف النحوية الناشئة عن اتساع في استخدام الوحدات اللغوية لتؤدي المعاني المختلفة سواء في البلاغة أو في النحو أو في اللغة" (43) ."
إن لعلماء الكلام وأهل التأويل، موقفًا خاصًا وهم يتعاملون مع هذه الظاهرة اللغوية، وخاصة في القرآن الكريم، لأن الاقتصار عليها عندهم قد يؤدي إلى الغلط فالتأويل لا بد منه، وهو مطلب ضروري في النظر إلى معاني القرآن الكريم، وهذا بعد تحكيم العقل والسماع، لأن العملية التأويلية تتطلب هذه الشروط بالإضافة إلى تحكيم الرأي والعقل الذي لا يتعارض مع السماع، وذلك بهدف البحث عن النواحي الداخلية أو الباطنية للنص ذاته، لتصل في النهاية إلى تحقيق الارتباط بين المنقول والمعقول والمشروع معًا، لأن النص إذا أدى آخذه على الظاهر إلى المحال أو الاستحالة العقلية أو الشرعية، يجب حينئذ إزالة هذا المحال ومعالجته بالتأويل بحثًا عن دلالة داخلية سعيًا إلى الوصول ما أمكن إلى حقائق المعاني المتوخاه من النص، وهذا ما حاول علماء الكلام أن يحققوه خلال ما بذلوه من جهود في تأويل نصوص القرآن على خلاف بينهم طبعًا، وهذا الخلاف ناتج عن الاختلاف في اعتماد القرائن الموجهة.
وقد يذهب المتأمل في النص القرآني وفي ذهنه عقيدة يريد أن يثبتها ولا يريد أن يتجافى عنها، وإذا عارضه ظاهر النص اضطر إلى التأويل، فالزمخشري وهو يفسر قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (( 44) .قال:"من السماء"فيه وجهان أحدهما: من ملكوته
في السماء لأنها مسكن ملائكته ثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ، ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره" (45) ."
الثاني: أنهم كانوا يعتقدون التشبيه وأنه في السماء وأن الرحمة والعذاب ينزلان منه، وكانوا يدعونه من جهتها فقيل لهم على حسب اعتقادهم،"أأمنتم"من تزعمون أنه في السماء وهو متعال عن المكان أن يعذبكم بخسف أو حاصب" (46) ."
فخالف الزمخشري في تأويل ظاهر الآية لكي ينزه الله عن الجهة والمكان وفي الحقيقة أن هذا التأويل يتفق فيه بعض المفسرين فقد قال الرازي:"... كانت العرب مقرين بوجود الإله لكنهم كانوا يعتقدون أنه في السماء على وفق قول المشبهة، فكأنه تعالى قال لهم:"أتعلمون من قد أقررتم بأنه في السماء واعترفتم له بالقدرة ما يشاء أن يخسف بكم الأرض، أو تقدير الآية من في السماء سلطانه وملكه والغرض من ذكر السماء تفخيم سلطان الله وتعظيم قدرته، كما قال:"وهو الله في السماوات وفي الأرض"، أي نفاذ أمره وقدرته وجريان مشيئته