الصفحة 4 من 13

ولو لم نلجأ إلى قاعدة الإبدال لما استقام المعنى مع المورفيم"مِنْ"التي تعني أن ذكر الله سبب إلى قساوة القلوب، مع أننا نعلم أن ذكر الله سبب لحصول النور والهداية والاطمئنان، ألا بذكر الله تطمئن القلوب؟! فمنهم من أجاب عن الإشكال الدلالي باللجوء إلى ظاهرة التبدل الدلالي، ومنهم من ترك النص على ظاهره، وأوَّلَ تأويلًا يتناسب مع الحرف المستعمل"من"فقد قال الرازي:"إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر بعيدة عن مناسبة الروحانيات شديدة الميل إلى الطبائع البهيمية والأخلاق الدميمة، فإن سماعها لذكر الله يزيدها قسوة ... والدليل على ذلك، أن الفاعل الواحد قد تختلف أفعاله بحسب اختلاف القوابل، فحرارة الشمس تلين الشمع وتعقد الملح، وقد نرى إنسانًا واحدًا يذكر كلامًا واحدًا في مجلس واحد فيستطيبه واحد ويستكرهه غيره، وما ذاك إلا لاختلاف جواهر النفوس ...."

"... فإذا عرفت هذا لم يبعد أن يكون ذكر الله يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة، ويوجب القوة والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة الشيطانية" (36) ، وهناك من لجأ إلى قياس الآية على كلام العرب من قولهم، حدثته من فلان، أي عن فلان، ومثَّل له ابن مالك بنحو:"عدت منه وأتيت منه، وبرئت منه، وشبعت منه، ورويت منه" (37) .

ولكن الرازي حاول تفسير دلالة الحرف بحيث وجد لها تخريجًا ناسب ظاهر النص على ما هو عليه، أي بدون استبدال"مِنْ"بِ"عَنْ"، وهذا في اعتقادي حسن، وبذلك جنب نفسه التحريف، وهو يحافظ بذلك على ظاهر النص ولا يتصرف فيه، ولكن حتى الذين تصرفوا قالوا بأن"من"بمعنى"عن"إن خرجوا في الظاهر عن ظاهر النص، إلا أنهم لم يخرجوا عن شائع عبارات العرب، إذ لا سبيل إلى فهم كتاب الله فهما صحيحًا ومعرفة مقاصده معرفة سليمة، إلا بالعودة إلى سننهم في كلامهم، وهي التي استقى منها القرآن ألفاظه، لأن هناك من الكلام ما لا ينجلي إلا بالسماع، وعليه فإن استبدال بعض الحروف ببعض أيضًا من كلامهم، والتأويل على هذا الأساس صحيح هو الآخر.

وإذا سألنا لماذا استعمل القرآن الكريم الحرف بدل الآخر، كان الجواب، هكذا تكلمت العرب أو هكذا أراد الله أو هما معًا، إذ القرآن كلام الله على عادة العرب وعرفهم، وعليه فإن السؤال بالصيغة العقلية لماذا قال كذا ولم يقل هكذا؟ لم يعد ذا معنى، ولا يعني هذا أن التأويل يتميز بالعبثية وعدم الانضباط، بل إن التأويل له قوانين تحكمه، وقد سماها أبو حامد الغزالي:"شروط التأويل"وعلى رأسها معرفة اللغة العربية والنحو على وجه ما تعارف العرب عليه، وطرقهم في التمييز بين صريح الكلام وظاهره، ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه وَمحكمه ومتشابهه ومطلقه ومقيده ويكتفى من ذلك كله بالقدر الذي يتسنى معه الإحاطة بعناصر النص الديني ..." (38) ."

وهذه التأويلات احتمالات، وهي تخضع كلها إلى قواعد كلام العرب، ففي قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ويُجِرْكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (( 39) .

وقال ابن هشام الأنصاري"إن من"ههنا زائدة والتقدير: "يغفر لكم ذنوبكم وقيل بل الفائدة فيه أن كلمة"من"ههنا لابتداء الغاية، فكأن المعنى أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب" (40) ، وقال الزمخشري:"إنما بعض المغفرة لأن من الذنوب ما لا يغفره الإيمان كذنوب المظالم ونحوها" (41) .

وما أطلقه ليس بصحيح، وهو قوله: إن الإيمان لا يغفر المظالم. لأن الكافر إذا أسلم وحسن إسلامه يجبُّ الإسلام عنه إثم ما تقدم بلا إشكال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت