وقد رد الإمام الرازي (63) هذا الفهم بما سماه بالعموميات، فأشار الكلبي إليها بقوله:"إن العذاب ثابت في حق الكفار ومنسوخ في حق العصاة من المسلمين، بقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشاءُ (( 64) ، فعذابهم مقيد بالمشيئة" (65) ، ومنه أيضًا المطلق والمقيد والعام والخاص وغير ذلك مما أشرت إليه سابقًا، وأطلقت عليه آليات سياق الخطاب الديني، وهذه القواعد أو الأصول هي التي يجب أن تراعى بعين الاعتبار أثناء التعرض للدلالة النحوية والالتزام بها عند المتأمل لأن عملية التأويل في الكلام الإلهي تقتضي ذلك.
ويتبين مما سبق موقف الأشعرية وأهل السنة من التفسير الاعتزالي الذي يتجه إلى النص القرآني ويتناوله من أوجه متعددة، والتعرض لجزئيات العقيدة وكان الغرض الذي يحدوهم هو التمكين لعقيدة الإسلام ونصرها وتأييدًا لهيمنة سلطانها وهو تفسير منهجه في الاتجاه إلى اللغة والاعتماد عليها وتتبع سير خطاها فيما تتناوله من دلالات.
وقد استغل المعتزلة (66) الظاهرة اللغوية ودلالة حروف المعاني أثناء تعرضهم لآيات الأحكام، كما استغلها غيرهم أيضًا، فالتخصيص بالاستثناء بعد الجمل المتعاطفة بالواو -مثلًا -اختلف فيه علماء الأصول، وذلك كقوله: أنفق على حفاظ القرآن وأوقف على طلاب العلم إلا المقيمين، اختلفوا في ذلك: هل يعود الاستثناء إلى جميع ما ذكر قبل إلا؟ أو يعود إلى الجملة الأخيرة فحسب؟
فإذا لم تكن هناك قرينة تدل على أن المراد هو الجملة الأخيرة فهو الأولى، فإنه في هذه يقع الاختلاف في الدلالة، ومنه يلجأ إلى التأويل ومثل السرخسي لما دلت القرينة على صرفه بقوله تعالى: (وَالذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَ ثامًا يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَة وَيخْلُدْ فِيْهَ مُهَانًا إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا (( 67) ، فإنه استثناء من الجميع" (68) لأن التوبة تقبل من الجميع اتفاقًا، وهذا المعنى مأخوذ من نصوص وأدلة أخرى كقرائن صارفة، وهذا فيما يتعلق بالتوبة، أما ما دلت القرينة على رجوعه إلى الجملة الأخيرة فقط كقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصّدَّقُوا (( 69) ، فإن الاستثناء في هذه الآية يرجع إلى الجملة الأخيرة، لأن تحرير الرقبة حق الله فلا يسقط بإسقاطهم (70) ، لأن القرينة شرعية، أما إذا اختلفت الأدلة ولم يوجد ما يرجّح أحد المعنيين، فعندئذ يقع الخلاف والتأويل."
ومن أثر الاختلاف في هذه القاعدة قبول شهادة المحدود بالقذف في قوله تعالى: (وَالذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الفَاسِقُونَ إِلاَّ الذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (( 71) ، والإشكالية المطروحة في الآيتين: أنه جاء فيها ثلاث جمل متعاطفة ثم أعقبها استثناء، فإلى أي منها يرجع الاستثناء؟
حكمت الآية الكريمة على القاذف بثلاثة أحكام. الأول: أن يجلد ثمانين جلدة والثاني: أن لا تقبل له شهادة أبدًا، والثالث وصفه بالفسق والخروج عن طاعة الله، ثم عقبت الآية الكريمة بعد هذه الأحكام الثلاثة بالاستثناء، واختلف الفقهاء في هذا الاستثناء هل يعود إلى الجملة الأخيرة، فيرفع عنه وصف الفسق ويظل مردود الشهادة أو أن شهادته تقبل كذلك بالتوبة؟ والقاعدة الدلالية في النص هي: هل الاستثناء الوارد بعد الجمل المتقاطعة يرجع إلى الكل أو إلى الأخير؟.
وعند الإجابة عن هذا التساؤل تتدخل العملية التأويلية ومن ذلك تأويل الزمخشري:"والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها أن تكون الثلاث بمجموعتين جزاء الشرط كأنه قيل: ومن قذف المحصنات فاجلدوهم وردوا شهادتهم"