الصفحة 43 من 92

قال: (وما موعود الله؟) قال: (الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي) . فاجتمع رستم برؤساء أهل فارس، فقال: (ما ترون؟ هل رأيتم كلامًا قط أوضح ولا أعز من كلام هذا الرجل؟) ، قالوا: (معاذ الله لك أن تميل إلى شيء من هذا، وتدع دينك لهذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه؟) ، فقال: (ويحكم! لا تنظروا إلى الثياب، ولكن انظروا إلى الرأي، والكلام، والسيرة) ، وأقبلوا يتناولون سلاحه، ويزهدونه فيه ...

ثم كان أن أبى الفرس دعوة الحق، واختاروا المناجزة، فنصر الله المسلمين، وهزموا فارس وسَبَوْهم. وكان"يزدجرد"ملك الفرس قد أرسل يستَنْجد بملك الصين، ووصف له المسلمين، فأجابه ملك الصين: (إنه يمكنني أن أبعث لك جيشًا أوله في منابت الزيتون-أي: الشام-وآخره في الصين، ولكن إن كان هؤلاء القوم كما تقول؛ فإنه لا يقوم لهم أهل الأرض، فأرى لك أن تصالحهم، وتعيش في ظلهم، وظل عدلهم) [1] ... ).

وهذا الذل الذي أصابنا نحن العرب نتيجة تركنا للجهاد في سبيل الله، ويشهد لهذا ما قاله المحدث الألباني-رحمه الله تعالى-في: (الصحيحة) -كما بينت في كتابي: (إتحاف الطالب بمراتب الطلب) (ص:362/ 365) :( ... ويحسن بنا هنا أن نذكر بعض ما جاء في الأحاديث الصحيحة في ذلك، منها: أن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قال:"للواحد منهم أجر خمسين"قالوا: منا يا رسول الله أو: منهم؟ قال:"منكم".

وهذا من نتائج الغربة الشديدة للإسلام اليوم التي لم تكن في الزمن الأول، ولا شك أن غربة الزمن الأول كانت بين شرك صريح وتوحيد خال من كل شائبة، بين كفر بواح وإيمان صادق، أما الآن؛ فالمشكلة بين المسلمين أنفسهم؛ فأكثرهم توحيده مليء بالشوائب، ويوجه العبادات إلى غير الله، ويدعي الإيمان، هذه القضية ينبغي الانتباه لها أولًا ... ) [2] .

وقال أيضًا: (فنحن اليوم-كما تعلمون جميعًا-في زمن وصل فيه المسلمون إلى حد-لا يمكن أن يصل إلى أسوأ منه مسلم يؤمن بالله ورسوله-من الذل والاستعباد من الآخرين، ولشعور كل منا بما نزل بنا من هذا الذل المخيم على

(1) -انظر: (علو الهمة) (ص:81/ 90) .

(2) -انظر: (السلسلة الصحيحة) (494) ، و (معالم المنهج السلفي في التغيير) (ص:114) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت