جميع البلاد الإسلامية نتساءل دائمًا عن السبب الذي أدى بالمسلمين إلى هذه الحالة المزرية السيئة، والوضع المهين المخزي، والسر في وصولهم إلى هذا الدرك المنحط من الذل؟.
كما نتساءل عن العلاج والدواء، لنتمكن من النجاة من هذا الذل والشقاء؟.
ثم تتنوع الآراء، وتتعدد الملاحظات، وكل يأتي بمنهج أو: سبيل يرتإيه لحل هذه المشكلة، ومعالجة هذه المعضلة.
وأنا أرى أن هذه المشكلة قد ذكرها الرسول-عليه الصلاة والسلام-، ووصفها في بعض أحاديثه الثابتة عنه، وبين علاجها.
ومن هذه الأحاديث-قوله عليه الصلاة والسلام-: (إذا تبايعتم بالعينة [1] ، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) [2] .
فنجد هذا الحديث ذكر المرض الذي شاع حتى أحاط بالمسلمين؛ فذكر رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-نوعين من المرض على سبيل التمثيل لا التحديد:
النوع الأول: هو وقوع المسلمين في بعض المحرمات بالاحتيال عليها، وهم على علم بها، وهذا كامن في قوله-عليه الصلاة والسلام-:"إذا تبايعتم بالعينة ..." [3] .
فالعينة: نوع من البيع يشير هذا الحديث إلى تحريمه، ومع ذلك رأى بعض العلماء جواز هذه المبايعة.
وصورتها: أن يشتري الرجل من التاجر بضاعة بثمن يدفع على أقساط وبأجل محدود، ثم يعود المشتري بائعًا لتلك البضاعة للبائع الأول بثمن أقل من الثمن الذي اشتراها به، ولكن مقابل النقد؛ فيدفع البائع الأول-الذي صار مشتريًا-
(1) -العينة: هي أن يشتري من رجل سلعة بثمن معلوم مؤجل، ثم يبيعها عليه بأقل من الثمن الذي اشتراها به. انظر: (النهاية) (3/ 333) ، و (عون المعبود) (3/ 291) ، و (الغرباء الأولون) (1/ 179) .
(2) -رواه أبو داود في: 17 - كتاب البيوع والإجارات، 56 - باب: في النهي عن العينة، (3/ 740/رقم:3462) ، والدولابي في: (الكنى) (2/ 65) من كنيته أبو عبد الرحمن، والبيهقي في: (السنن الكبرى) (5/ 316) ، وأبو نعيم في: (الحلية) (1/ 313/رقم:44) ، وأحمد في: (المسند) (2/ 84) ، وله شواهد كثيرة ذكرها الشيخ سلمان في هامش كتابه: (الغرباء الأولون) (1/ 179/180/ 181) ، فلا التفات إلى ما قرره صاحبا (النصيحة ... ) ، ومن النصيحة الإعراض عن (النصيحة) إلى: (الصحيحة) .
(3) -وقد توسع في تخريجه وتصحيحه الشيخ الألباني في: (السلسلة الصحيحة) (رقم:11) ، وحاول تضعيفه مصطفى العدوي، وخالد المؤذن في كتيبهم في: (نظرات في الجزء الأول من السلسلة الصحيحة) (ص:8\ 12) وأخطأوا في تضعيفه ... أما الشيخ الألباني فنظر إلى مجموع طرقه فصححه، كما فعل الحافظ ابن حجر في: (التلخيص الحبير) (3\ 19) ، والشوكاني في: (نيل الأوطار) (5\ 206) .