الصفحة 42 من 92

(إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يَدِنْ بديني، فأنا منتقم بهم منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذَلَّ، ولا يعتصم به أحد إلا عَزَّ) .

فقال له رستم: (وما هو؟) ، قال: (أما عموده الذي لا يصلح منه شيء إلا به، فشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، والإقرار [1] بما جاء من عند الله تعالى، قال:"ما أحسن هذا! وأي شيء أيضًا؟"، قال:(وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى) ، قال: (حسن، وأي شيء أيضًا؟) ، قال: (والناس بنو آدم وحواء، إخوة لأب وأم) ، قال: (ما أحسن هذا!) .

ثم قال رستم: (أرأيت لو أني رضيت بهذا الأمر، وأجبتكم إليه، ومعي قومي، كيف يكون أمركم؟ أيرجعون؟) ، قال: (إي والله، ثم لا نقرب بلادكم أبدًا إلا في تجارة أو: حاجة) ، قال: (صدقتني والله، أما إن أهل فارس منذ ولي"أردشير"لم يَدَعُوا أحدًا يخرج من عمله من السِّفلة كانوا يقولون:(إذا خرجوا من أعمالهم تعدوا طورهم، وعادوا أشرافهم) .

فقال له زهرة: (نحن خير الناس للناس، فلا نستطيع أن نكون كما تقولون، نطيع الله في السِّفلة، ولا يضرنا من عصى الله فينا) ، فانصرف عنه وطلب"رستم"آخر، ثم إن سعدًا أرسل: (ربعي بن عامر) -رضي الله عنه-إلى رستم، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق، والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة، وترس وفرس قصيرة.

ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه، فقالوا له:"ضع سلاحك"، فقال:"إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت"، فقال رستم:"ائذنوا له"، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق، فخرق عامتها، فقالوا له:"ما جاء بكم؟"فقال: (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك، قبلنا ذلك منه، ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى ذلك، قاتلناه أبدًا حتى نفضي إلى موعود الله) .

(1) -الإقرار لغة: الإثبات، من قر الشيء أي: ثبت، واصطلاحًا: أخبار الشخص بحقٍّ عليه. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:74) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت