الصفحة 41 من 92

فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق، وقال: من تابعكم على هذا، فله ما لكم، وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية، ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه، فأنا الحَكَم بينكم، فمن قُتِل منكم أدخلته جنتي، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه، فاختر إن شئت الجزية عن يدٍ وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو: تسلم فتنجي نفسك).

فقال: (أتستقبلني بمثل هذا؟) ، فقال: (ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كلمني غيرك، لم أستقبلك به) ، فقال: (لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شيء لكم) ، وقال: (إئتوني بِوِقر من تراب) .

فقال: (احملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن، ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليكم رستم، حتى يدفيكم [1] ، ويدفيه في خندق القادسية، وينكل به وبكم من بعدُ، ثم أُورده بلادكم، حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور ) . إلى آخر القصة الطويلة الرائعة.

وفيها:(أن عاصم بن عمرو احتمل وقر التراب، واعتبره فألًا على الظفر بأرضهم، كما تطير منه رستم على أنه علامة أن الله سلبهم أرضهم وأبناءهم للمسلمين.

ثم إن كسرى بعث أهل فارس بعددهم وعُدَدهم وعلى رأسهم رستم، حتى إذا نزل رستم"بالعقيق"على منقطع معسكر المسلمين، راسل"زهرة"فخرج إليه حتى واقفه، فأراده أن يصالحهم، ويجعل له جعلًا [2] على أن ينصرفوا عنه، وجعل يقول: أنتم جيراننا، وقد كانت طائفة منكم في سلطاننا ... ).

فقال له زهرة: (صدقت، قد كان ما تذكر، وليس أمرنا أمر أولئك ولا طِلبتنا، إنا لم نأتكم لطلب الدنيا، إنما طِلبتنا وهمتنا: الآخرة، كنا كما ذكرت، يدين لكم مَن ورد عليكم منا، ويضرع إليكم يطلب ما في أيديكم، ثم بعث الله تبارك وتعالى إلينا رسولًا، فدعانا إلى ربه، فأجبناه، فقال لنبيه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:

(1) -يقال: دفوت الجريح وأدفيته: أي: أجهزتُ عليه.

(2) -الجُعْل، والجِعالة: ما جعله له على عمله من أجر، أو: رشوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت