ومنْ جانبٍ آخر، فإن من الحقائقِ الجليةِ أن شياطينَ زمانِنا هؤلاءِ، لا يمكنُهم أن يقضُوا على جميعِ أعدائِهم بضربةٍ واحدةٍ، بلْ هي من سماتِ خططِهم الماكرةِ أن يتدرجُوا على أساسِ"الأخطرِ فالأخطر"أو"الأهمِ فالأهم". ولذا حيثُ يتضحُ لنا من اتجاهِ ضربَاتِهم ما هي أَوْلَوِيَّاتُهم، وما هي مكائدُهم، ففي نفس الوقت يَسْهُلُ لنا بذلك تعيينُ طريقِ دَمارِ وانهيارِ أعدائِنا، وفتحِ ونصرِ أمتِنا، بشكلٍ واضحٍ.
ويشهدُ التاريخُ على مرِّ العقدَيْنِ الماضِيَيْنِ أن قيادةَ سرايا الشيخِ أسامةَ رحمه الله، ظلّتْ تَحْتَّلُ المكانةَ الأُولَى على قائمةِ أهدافِ أمريكا. فما زالتْ أعظمُ العملياتِ الْإسْتِخْبَارَاتِيَّةِ على مرِّ التاريخِ، مستمرةً منذُ سنواتٍ لتَعَقُّبِ هذه القوافلِ في خراسَانَ. ولقد بذَلَتْ أمريكا قُصارَى جُهْدِهَا للقضاءِ على هذه القيادةِ.
فمنذُ السنواتِ الستِ الماضيةِ ظلتْ هذه الجماعةُ على مرمَى أخطرِ هجماتٍ للطائراتِ الجاسوسيةِ في اليمن، واليومَ حيثُ يرتفعُ ضجيجُ الحربِ بين السعوديةِ والحوثِيِّينَ، نرَى هناكَ أن وسطَ هذا الضجيجِ وبكلِ هدوءٍ، لم يتِمَ اسْتهدافُ قائدٍ أو اثنين، بلْ أكثرِ من أربعةٍ من أعلى قادةِ القاعدةِ، وفي مدةٍ لا تتجاوزُ البضعةَ أشهرٍ، بمن فيهم أميرِ قاعدةِ الجهادِ في جزيرةِ العربِ الشيخِ أبي بصيرٍ رحمه الله. وفي صوماليا استَهدَفتِ الطائراتُ الجاسوسيةِ أميرَ القافلةِ هناك مع جمعٍ آخر. ثم تَعَقَّبُوا قادةَ القوافلِ في ليبيا ومالي ..
فلمْ يقتصرِ الأمْرُ على استهدافِ قائدٍ أو اثنين في منطقةٍ محدَّدَةٍ لضرورةٍ سياسيةٍ في تلك المنطقةِ، بل إن الأمريكيين مع أتباعِهم وعملائِهم تحركوا بكلِ قوةٍ وتركيزٍ في كل منطقةٍ كان من المُتَوَقَّعِ أن تَثْبُتَ فيها خُطَى هذه القوافلِ، وأن تُوجِّه الجهادَ العالمِيَّ منها. وبتخطيطٍ متكاملٍ حاولوا القضاءَ على القيادةِ على بَكرةِ أبِيها. بحيثُ لا يستطيعُ أحدٌ حملَ العلَمِ للتوجِيهِ والإرشادِ من أيِّ مكانٍ!
فإن قُتِلَ الشيخُ حارثُ النَظاريُّ أن لا يستلمَ العلمَ بعده الشيخُ إبراهيم، وحيثُ ضحَّى الشيخُ إبراهيمُ بحياتِه أن لا تَتَوَجَّهَ الأنظارُ إلى الشيخِ نصرِ الآنسيِّ، وإن استشهدَ الشيخُ الآنسيُّ أن لا يبقَى لأحدٍ أَمَلٌ في الشيخِ أبي بصير!!! وكان هذا مَرامُهم في خراسانَ كذلك. الواحدُ تِلْوَ الآخرِ، ثم يتلوهُ الثالثُ والرابعُ، واستمرتِ السلسلةُ ... خُطَّةُ القضاءِ على القوافلِ لم تبدأْ من الأسفلِ إلى الأعلى، بلْ من الأعلى إلى الأسفلِ! ولم يقتصرِ الهدفُ على إسقاطِ الأغصانِ والأوراقِ، بل بُذلتْ قُصارى الجهودِ لاقتلاعِ الشجرةِ من جذوعِها. ثم الذينَ لم يستطيعُوا أن يقضُوا عليهم وكُتِبَتْ لهم الحياةُ، حاولوا بمُنتهَى الجِدِّيَّة أن لا تَعْلُوَ أصواتُهم، وأن لا يستطيعُوا التواصُلَ مع الأمةِ. واستخدمُوا لذلك كلَّ وسائلِ الدجلِ والمكرِ والتقنياتِ!
كلُ هذا يدلُّ بوضوحٍ أن طواغيتَ العصرِ يخافونَ من رسائلِ هؤلاءِ القادةِ، ويعتبرُ أولياء الشيطانِ سيرَ القوافلِ هذه هلاكًا لنظامِهم العالميِّ الغاشمِ وحياةً متجَدِّدةً للأمةِ الإسلاميةِ. فمِن أُولَى أهدافِهم هو كتمُ رسائلِ القادةِ البواسلِ، وتبديدِها، لكي يُبْعِدُوا أمةَ الجهادِ عن طريقِ الفتحِ والنصرِ! فيا تُرَى ما هُو مضمونُ هذه الرسائلِ؟ وبمَ يمتازُ طريقُ قوافلِ الشهداءِ من أوصافٍ؟
أمتي الحبيبةَ! أضعُ بين يدَيْكِ بعضَ أهمِ وأخصِّ أوصافِ هذا الطريقِ للتذكيرِ فقط:
1 -اولًا: هؤلاء القادةُ، يعتبرونَ أمريكا أَلَدَّ أعداء ِالأمة، ويعتقدونَ أن استهدافَ مصالحِها العالميةِ من أُولَى أَوْلَوِيَّاتِهم، ويسعَوْنَ عمليًا إلى توجيهِ حِرابِ جميعِ قُوَى الأمةِ الدينيةِ والجهاديةِ، تُجاهَ أمريكا ونظامِها العالميِّ الكفريِّ، لأن:
أ. أمريكا، هي رأسُ النظامِ العالميِّ الكفريِّ،
ب. وأمريكا، هي العائقُ الأكبرُ في طريقِ تحريرِ القدسِ وفلسطينَ،
ج. وأن أمريكا هي من تَرعَى وتُساندُ طواغيتَ الدنيا كلَّها ضدَّ الحركاتِ الجهاديةِ.
2 -ثانيًا: وهؤلاء القادةُ يحتاطونَ كلَّ الاحتياطِ في مسألةِ تكفيرِ وتضليلِ وتفسيقِ أهلِ القبلةِ، ويعُضُّونَ بالنواجِذِ على طريقةِ السَّلفِ وعلماءِ الحقِ في التعاملِ معهم.
3 -ثالثًا: وهم يَسْعَونَ جاهدِينَ للاتصافِ بما وصفَ اللهُ تعالى بهِ المؤمنينَ (أشداءُ على الكفارِ رحماءُ بينَهم) ، فهم يعادُون الكفارَ وعملائَهم كلَّ معاداةٍ، ويقاتلُونَهم، ويحرِّضونَ المسلمينَ على قتالهِم، ولكن في مقابلِ ذلك فإنهم ينصحُونَ بالرفقِ بكلِّ المسلمينَ، بغَضِّ النظرِ عن انتماءاتِهم التنظيميةِ والمذهبيةِ. ويَرَوْنَ أن النجاةَ في خَفضِ جَناحِ الذِلِ لهم. وهم يؤمنونَ بحرمةِ دِماءِ المسلمينَ وأعراضِهم، وحتى أموالِ الفساقِ منهم، ويَسْعَوْنَ بكلِّ جِدٍّ لتَجَنُّبِ هذه المحرَّماتِ عمليًا، ولا يتعرضُونَ لأعراضِ وأنفسِ وأموالِ المسلمينَ بحججٍ واهيةٍ وتأويلاتٍ باطلةٍ موضوعةٍ. بل على العكسِ من ذلك فهم يعتقدُونَ بأن الدفاعَ عن جميعِ المسلمينَ، بغضِ النظرِ عن انتماءاتِهم الفرعيةِ، واجبٌ عليهم.