رسول الله، ما ظننا أمرأة تهتدي إلي مثل هذا. فالتفت النبي إليها ثم قال: «انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن طاعة الزوج ـ اعترافًا بحقه ـ يعدل ذلك كله، وقليل منكن من يفعله» .
وبالإبقاء علي التعدد عمق المشاركة وبتعميق المشاركة يتعمق الانتماء ولا توجد أي درجة من الاغتراب، ولابد في كل هذا أن يتقدم الولاء العام للإسلام والمسلمين عامة علي الولاء الخاص للإطار الذي ينتمي إليه المسلم أو يُقْطع هذا الولاء الخاص ولا يتقدم إذا تعارض مع الولاء العام ولم يكن خادمًا له.
7 -أمة صنعتها هويتها المستقرة في الوجدان:
وهكذا أخرج رسول الله من خلال هذه المرتكزات خير أمة أخرجت للناس استطاعت أن تصمد في وجه المرتدين عقب وفاة رسول الله، بل وتمكنت بعد ذلك من هزيمة البيزنطيين في فلسطين، والانتصار علي الفرس في القادسية وفتح مصر علي يد عمرو بن العاص، والقضاء علي الدولة الساسانية، وفتح أرمينيا وجورجيا والانتصار علي الأسطول البيزنطي في معركة ذات الصواري، كل هذه الملاحم التي توشح صدر الإسلام في فجره، وقعت فيما بين التحاق النبي الكريم بالرفيق الأعلى وحتى مقتل عثمان وتولي علي بن أبي طالب رضي الله عنهما0 [1]
في كل هذا كان الإسلام هو هوية هذه الأمة، ومحور استقطابها الذي صنعها أمة عظمي من قبائل متفرقة متناحرة، ونري أثر ذلك عندما كان الإسلام هوية الأمة، فقد كان الفرد المسلم من عامة الأمة لا يري في غير الإسلام سببًا للتجمع، بل يري أنه وحده أساس الانتماء، وأنه وحده رابطة الولاء، ولذلك لم تكن لديه قابلية للشعور بالغضاضة في أن يعيش علي أرضه ـ بل ويحكمه ـ مسلم من بلد آخر فصفة الإسلام تجُبُّ ما عداها، ورابطة الدين تُغني عما سواها.
ويقص علينا التاريخ أن المسلم كان يخرج من طنجة حتى ينتهي به المطاف إلي بغداد لا يحمل معه جنسية قومية أو هوية وطنية، وإنما يحمل شعارًا إسلاميًا هو كلمة التوحيد، فكلما حل أرضًا وجد له فيها أخوة في الإيمان، وإن كانت الألسنة مختلفة والألوان متباينة، لأن الإسلام أذاب كل تلك الفوارق واعتبرها من شعارات الجاهلية.
كما يَحكي لنا كيف سار ابن بطوطة من شاطئ المحيط الأطلسي إلي شاطئ المحيط الهادي، ولم يُعتبر في أي قطر مر به أجنبيًا، بل وأتيحت له الفرصة، أن يصبح قاضيًا أو وزيرًا أو سفيرًا، ولم يُراقب في حركاته وسكناته، ولم يسأله أحد عن هويته أو جنسيته أو مهنته أو وطنه، فقد كان أفراد الأمة في تحركهم من بلد إلي بلد آخر من بلاد الإسلام، لا يحتاجون إلي تأشيرات دخول أو خروج لأن الإسلام بلْوَر هويتهم الحقيقة، ومنحهم الجنسية الإيمانية، وزودهم بروح الأخوة والمودة0 [2]
وحتى عهد قريب كانت الأمة تقاوم الغزو الغربي الصليبي مقاومة إسلامية، وتنظر إليه علي أنه غزو من قبل الكفار لبلاد الإسلام، ينبغي مجاهدته وإزالته، وكانت تقاوم أيضًا - ما وسعتها المقاومة - عملية تنحية الشريعة الإسلامية وإحلال القوانين الوضعية محلها علي أساس أن هذا كفر يخرج من الملة إذا رضيت به.
(1) 17 / الدكتور أحمد القديري: «الإسلام وصراع الحضارات» كتاب الأمة رقم (44) ، ص 64
(2) 18 / محمد محمد البدري، الأمة الإسلامية من التبعية إلي الريادة ص 52 - 53.