6 -أطر متعددة ومجتمعة على الولاء للإسلام: وبذلك حقق رسول الله مشاركة الأمة له من خلال ممثليها عن أطرها المختلفة التي أبقي عليها رسول الله ـ وسواء كانت أطر ولاءات خاصة أو أطر عمل إسلامي ولكن داخل ولاء الإسلام العام وعقيدته الواحدة وشريعته الواحدة وهويته الواحدة سواء كانت الأطر عرقية أووظائف شرعية أو مصالح مشتركة. فالمهاجرين والأنصار مثال لأطر الوظائف الشرعية، وغفار وأسلم وجهينة أمثلة لأطر قبليات عرقية ورحم.
وتروي لنا السيرة قبيل فتح مكة كيف كان تشكيل جيش المسلمين الفاتح يقول العباس في حديثة عن فتح مكة وإسلام أبي سفيان: فلما ذهب لينصرف (أي أبو سفيان) قال رسول الله: «يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل ـ حتي تمر به جنود الله فيراها» ، قال: فخرجت حتي حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله أن أحبسه، قال: ومرت القبائل علي راياتها، كلما مرت قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فأقول: سليم فيقول ما لي ولسليم؟ ثم تمر القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: ما لي ومزينة؟ حتي نفذت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا يسألني عنها، فإذا أخبرته بهم قال ما لي ولبني فلان، حتي مر رسول الله في كتيبته الخضراء.
قال ابن إسحاق: فيها المهاجرون والأنصار ـ رضي الله عنهم ـ ولا يري منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله يا عباس من هؤلاء!! قلت: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيمًا!!، قال قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة، قال فنعم إذن0 [1]
وفي الصحيح أن رسول الله قال لهم: «من سيدكم يا بني سلمة؟» قالوا: الجد بن القيس علي أنا نبخله. فقال رسول الله: «وأي داء أدوأ من البخل، ولكن الفتي الأبيض الجعد بشر بن البراء بن معرور»
وفيه أيضًا عن أبي سعيد الخدري: أن أهل قريظة نزلوا علي حكم سعد فأرسل النبي إليه فجاء فقال: «قوموا إلي سيدكم» أو قال: «خيركم» ، فقعد عند النبي فقال: «هؤلاء نزلوا علي حكمك» . قال: فإني أحكم بأن تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم فقال: «حكمت بما حكم به الملك» .
وفي رواية أحمد عن عائشة رضي الله عنها: «قوموا إلي سيدكم» ، فأنزلوه، فقال عمر: سيدنا الله عز وجل، قال: «أنزلوه» ، فأنزلوه0 [2]
وأما نموذج أطر المصالح المشتركة - فقد روي ابن عباس رضي الله عنهما أن أسماء بنت يزيد الأنصارية ـ رضي الله عنها ـ أتت إلي النبي وهو بين أصحابه فقالت: يا رسول الله إني وافدة النساء إليك، إن الله بعثك بالحق للرجال والنساء، فآمنا بك واتبعناك، وإنا ـ معشر النساء ـ محصورات، قواعد بيوتكم، مقتضي شهواتكم، وحاملات أولادكم، وأنتم ـ معشر الرجال ـ فضلتم علينا بالجمع والجماعات، وعيادة المرضي، وشهادة الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله عز وجل، وإن الرجل إذا خرج حاجًا أو معتمرًا أو مرابطًا حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفما نشارككم في هذا الخير والأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي بوجهه كله إلي أصحابه ثم قال: «هل سمعتم مقالة أمرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها؟» فقالوا يا
(1) 15 / زاد المعاد في هدي خير العباد، جـ2، ص 182، ومختصر سيرة ابن هشام.
(2) 16 / انظر: الفتح جـ7 ص476، وذكر الحافظ أنه حسن جـ 2 ص53.