الصفحة 7 من 68

4 -وضوح سبيلها:

كما أنه صلى الله عليه وسلم أسقط شرعية الافتراق الديني والدنيوي بقوله: «وتفترق أمتي علي ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة» ، قالوا ومن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» . وفي رواية: «الجماعة» [1] وبذلك أبطل تعدد الهويات من داخل الدين كما أبطلها من خارجه.

5 -مشاركة في إدارة شئونها وحكمها:

وذلك من خلال الأطر المختلفة كمشاركة السعود [2] الخمسة بوصفهم ممثلين عن أحياء الأنصار، وأبو بكر وعمر بوصفهما ممثلين عن المهاجرين ومشاركة غيرهم من ممثلي القبائل.

روي البزار والطبراني عن أبي هريرة: أتي الحارث ُ النبي فقال: يا محمد ناصفنا تمر المدينة وإلا ملأناها عليك خيلًا ورجالًا قال: «لا حتى أستأ مر السعود» [3] ،فكلهم قالوا: والله ما أعطينا الدنية في أنفسنا في الجاهلية فكيف وقد جاء الإسلام، فأخبر الحارث فقال: غدرت يا محمد.

واستشارهم في (أُحُد) بعد أن أخبرهم برؤيا التي تُنبئ بأن المدينة درع حصين ويعرض لهم رأيه أنهم لا يخرجون من المدينة وأن يتحصنوا بها، فإن أقام المشركون بمقامهم أقاموا بشر مقام وبغير جدوى، وإن دخلوا المدينة قاتلهم المسلمون علي أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت ـ وكان هذا هو الرأي ـ ولكن أشار عليه الكثير من المسلمين بخلاف ذلك فاستجاب لرأيهم. [4]

كما استشارهم في بدر فأشاروا عليه بمجالدة المشركين وقالوا كلمتهم المشهورة: «والله لئن استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك» [5] .وتعلم أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ منه هذا الأمر.

وقد تعلم الصحابة رضى الله عنهم الدرس فها هو التاريخ يروى لنا ما فعلوه في غزوة مؤتة حين واجهوا ـ وهم ثلاثة آلاف مقاتل ـ جيشًا قوامه مائتا ألف فجعلوا يتشاورون حتي شجعهم عبد الله بن رواحة ـ رضي الله عنه ـ بقوله: انطلقوا فإنما هي إحدي الحسنين: إما ظهور وإما شهادة، فاستقر الرأي إلي ما دعا إليه عبد الله بن رواحة رضي الله عنه [6]

فقد كان صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم كما أخبر الله تعالي عنهم: {وَأمرهُمْ شُورَي بَيْنَهُمْ} 0 [7]

(1) 8 / سبق تخريج الحديث والافتراق المقصود في الحديث ليس هو الافتراق في المسائل الاجتهادية فهذا واقع حتي في القرون المفضلة، الثلاثة الأولي. ولكن الافتراق الذي قال الله تعالي عنه:) وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ? مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( [الروم: 30 - 31] . الافتراق الذي صاروا به شيعًا أي جماعات بعضهم قد فارق البعض ليسوا علي تآلف ولا تعاضد ولا تناصر بل علي ضد ذلك. وهذه الفرقة مشعرة بتفرق القلوب المشعر بالعداوة والبغضاء ولذلك قال تعالي:) و َاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا ( [آل عمران: 103] فبين أن التآلف إنما يحصل عند الائتلاف علي التعلق بمعني واحد، وأما إذا تعلقت كل شيعة بحبل غير ما تعلقت به الأخري فلابد من التفرق وهو معني قوله تعالي:) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ( [الأنعام: 153] . والافتراق إما أن يكون راجعًا إلي أمر هو معصية غير بدعة ومثاله أن يقع بين أهل الإسلام افتراق بسبب دنيوي كما يختلف مثلًا أهل قرية مع قرية أخري بسبب تعد في مال أو دم حتي يقع بينهم العداوة فيصيروا حزبين أو يختلفون في تقديم وال أو غير ذلك فيفترقون، ومثل هذا محتمل، وإما أن يرجع إلي أمر هو بدعة كما افترق خوارج من الأمة ببدعهم التي بنوا عليها الفرقة. كتاب: "الاعتصام" جـ 2، ص 191 - 192.

(2) 9 / الفرق بين النقباء والسعود أن النقباء يمثلونه - صلى الله عليه وسلم - عند الأمة والسعود يمثلون الأمة عنده.

(3) 10 / سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وسعد بن خيثمة، وسعد بن الربيع، وسعد بن مسعود.

(4) 11 / صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم ص241.

(5) 12 / المصدر السابق، ص199.

(6) 13 / المصدر السابق، ص 375 - 376.

(7) 14 / سورة الشوري، الآية: 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت