إن المصريين حين قاتلوا الحملة الفرنسية لم يقاتلوها بوصفهم مصريين إزاء فرنسيين، ولكن بوصفهم مسلمين يقاتلون الكفار، وقد كان علماء الدين هم قادة هذه المقاومة، ولذا انصب غضب نابليون علي الأزهر بوصفه عنصر المقاومة للغزو الصليبي.
وتأتي قمة الدلالة في كون سليمان الحلبي الذي قتل كليبر لم يكن مصريًا، بل مسلمًا دفعه إسلامه إلي قتل قائد الحملة الصليبية الموجهة إلي أرض الإسلام.
وقد أدرك أعداء هذه الأمة قوة هويتها، مما جعلهم يتزلفون إليها بادعاء الإسلام أو المحبة لأهله كما فعل نابليون عند دخوله مصر.
ثانيا: كيف انحرفت الأمة عن هويتها وفقدت تماسكها الاجتماعي؟
يرجع انحراف الأمة إلي سببين: [1]
أ - خلل في التوجيه العلمي الشرعي من أهل الجدل واللسان أدي إلي ضعف قوة الالتزام، والافتراق الديني عند المسلمين.
ب- خلل في التوجيه السياسي عند أهل الأيدي والقتال أدي إلي ضعف قوة الاجتماع والافتراق الدنيوي عند المسلمين.
وهل أفسد الدين إلا الملوك * * *وأحبار سوء ورهبانها
ومن يقرأ جيدًا تاريخ الإسلام يدرك أن الخلل في أنظمة الحكم أفسد القوة الاجتماعية للمسلمين، والخلل في المفاهيم والتوجيهات الإسلامية أفسد القوة الالتزامية للمسلمين، وإذا فسدت قوة الاجتماع وقوة الالتزام بالافتراق الدنيوي والافتراق الديني هوي كيان الأمة، ودخلت في أطوار الانحلال والانحدار والتفكك ولا أمل في إصلاح حال المسلمين، إلا بالخروج من شرعيات الضرورة، التي استمرت عشرة قرون في سياسات الملك وأوضاع السلطة وأنظمة الحكم، إلي شرعية الاستقرار، وهذا ضروري لإصلاح وضع الأمراء أهل الأيدي والقتال، والعودة إلي المفاهيم والتوجهات الصحيحة في حركة العلماء، ومن يدرك هذا يفهم ما جاء في تحذير الرسول أمته من بني قنطوراء، وبنو قنطوراء هم الترك الذين صار إليهم أمر الشوكة في الإسلام من القرن الثالث الهجري حتى سقوط الخلافة الإسلامية [2]
جاء في أطلس تاريخ الإسلام عن ملوك الترك والأعاجم [3] : «قد مررنا في دراستنا بدول عظيمة بدأت بدايات جليلة كالسامانيين والغزنويين والأيوبيين والأتراك العثمانيين، ولكنها كلها كانت ثقيلة اليد علي الناس، شديدة
(1) 19 / يراجع كتاب ضوابط حقيقة المحبة والولاء أبو أحمد عبد الرحمن بن محمود
(2) 20 / عن عبد الله بن بريدة عن أبيه - رضي الله عنه - قال: كنت جالسًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم -. فسمعنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن أمتي يسوقها قوم عراض الأوجه صغار الأعين كأن وجوههم الحجف (*) ثلاث مرات حتي يلحقوهم بجزيرة العرب، أما السابقة الأولي: فينجو من هرب منهم، وأما الثانية فيهلك بعض وينجو بعض، وأما الثالثة فيصطلمون (**) كلهم من بقي منهم، قالوا: يا نبي الله من هم؟ قال: «هم الترك» ، قال: «أما والذي نفسي بيده ليربطن خيولهم إلي سواري مساجد المسلمين» ، قال: وكان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع السفر والأسقية بعد ذلك للهرب مما سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - من البلاء من أمراء الترك (( ***) مسند أحمد 5/ 348، 349. (*) الحجف: الحجفة: الترس. (**) يصطلمون: الاصطلام: الصلم: القطع، أي يحصدون.
ـ عن ابن مسعود مرفوعًا: اتركوا الترك ما تركوكم، وقال: «أول من يسلب أمتي ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء» .ـ ينظر في ذلك: قتال الترك وقتال العجم، صفحات 93 - 99، كتاب أشراط الساعة، يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل، دار طيبة، مكتبة ابن الجوزي 1409 هـ، 1989 م.
(3) 21 / د. حسين مؤنس: أطلس تاريخ الإسلام.