الصفحة 11 من 68

الطمع في أموالهم، قليلة الاهتمام بدمائهم، لهذا توقف معظمها بعد مسير قليل، وتحولت إلي استبداديات صغيرة يتحارب أفرادها علي الملك، لأنه كان الوسيلة الكبرى لكسب المال».

وهكذا كان ملوك الأعاجم والترك الذين حموا الإسلام من الخارج هم الذين استنفدوا قوة مجتمعاته من الداخل إلي أن نفدت كل قدرة علي العطاء ووقفت هذه المجتمعات جامدة، أو تدهورت في بنائها الداخلي من حيث نظم الحكم والإدارة والاجتماع والاقتصاد والعمران فكان هذا هو الخلل عند أهل الأيدي والقتال.

ويصف ابن تيمية جانبًا من الخلل عند أهل الألسنة والجدال الذي أضعف قدرة الأمة علي المواجهة عند تعرضها للغزو العلماني في زماننا هذا فيقول رحمه الله [1] : «وقد لُبسَ علي طوائف من الناس أصل الإسلام حتي صاروا يدخلون في أمور عظيمة هي شرك ينافي الإسلام لا يحسبونها شركًا وأدخلوا في التوحيد والإسلام أمورًا باطلة ظنوها من التوحيد وهي تنافيه، وأخرجوا من الإسلام والتوحيد أمورًا عظيمة لم يظنوها من التوحيد وهي أصله، فأكثر هؤلاء المتكلمين لا يجعلون التوحيد إلا ما يتعلق بالقول والرأي واعتقاد ذلك دون ما يتعلق بالعمل والإرادة واعتقاد ذلك» . أ هـ

وهذا ما آلت إليه المفاهيم في العصور المتأخرة فكثير من الأشعرية والماتريدية صرحوا بنفي أن يكون النطق بشهادة أن لا إله إلا الله داخلًا في الإيمان ... !!

يقول أبو منصور البغدادي أحد أئمة الأشاعرة: (وأما الإقرار وهو قول كلمة الشهادة، والعمل الذي هو فعل المأمورات وترك المنهيات فليسا من الإيمان، ولا يكون تاركهما كافرا، فإن كان تاركًا للإقرار كان مؤمنا عند الله فحسب، وإن كان تاركا للعمل كان مؤمنًا عند الله وفي أحكام الدنيا أيضًا) .

ويقول الدسوقي شارحًا لكلام السنوسي أحد أئمة الأشاعرة المتأخرين ـ بعد ذكر حكم التلفظ بالشهادة، وهل هي داخلة في الإيمان؟ والأقوال في ذلك حيث رجح أن النطق بالشهادتين ليس شرطًا في صحة الإيمان، ولا جزءًا من مفهومه، وإنما هو شرط لإجراء الأحكام الدنيوية، وهو المعتمد في مذهب الأشعري كما يقول: (وعليه فمن صدق بقلبه ولم ينطق بالشهادتين، سواء كان قادرا علي النطق أو عاجزا عنه فهو مؤمن عند الله يدخل الجنة وإن كانت لا تجري عليه الأحكام الدنيوية من غسل وصلاة عليه ودفن في مقابرالمسلمين ولا ترثه ورثته المسلمون) فتركه لجانب العمل لا يؤثر علي إيمانه بشيء، أما تركه للإقرار أي النطق بالشهادتين فهو في الظاهر، أي في الأحكام الدنيوية كافر، ولكنه في الحقيقة مؤمن فمجرد تصديق القلب هو الإيمان وما عاداه ليس بإيمان.

ومن هنا فنحن أمام وضع تاريخي للأمة أخبر عنه رسول الله صلي الله عليه وسلم جاء في صحيح البخاري باب (كيف الأمر إذا لم تكن جماعة) حدثنا محمد بن المثني حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا ابن جابر (في مسلم عبد الرحمن بن يزيد بن جابر) حدثني يسر بن عبيد الله الحضرمي أنه سمع أبا إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت

(1) 22 / الفتاوي الكبري جـ 5، ص 212 - 213، طبعة دار القلم ـ بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت